تاريخ طويل وعريق للبرنامج الإذاعي همسة عتاب. كنت أستمع له من قبل، في مراحل حياتي الأولى عند الاستيقاظ مبكراً للذهاب إلى المدرسة أو الجامعة.. أضبط ساعة خروجي بعد جرعة إذاعية صباحية من "قطرات الندى"، و"كلمتين وبس"، و"همسة عتاب"، و"خمسة لقلبك"، و"أخبار خفيفة"، ثم أخرج بعدها.
ويمد القدر بيده الحانية ليأخذني إلى الإذاعة، ثم إلى الشبكة الإذاعية الرئيسية "البرنامج العام"، ومنها إلى إدارة البرامج الخاصة، وفيها يتم إنتاج حلقات برنامج "همسة عتاب"..
أتذكر أيامي الأولى داخل استوديوهات الإذاعة بصحبة مخرج البرنامج الإذاعي الكبير مجدي سليمان... وهذا قد مرَّ عليه أكثر من ربع قرن.. بل اقتربنا من الثلاثين عاماً.. وأنا أعمل في هذا البرنامج كمخرج مساعد، ثم مخرج منفذ وكاتب للحلقات.. ثم مخرج للبرنامج منذ أحد عشر عاماً ومشاركاً في كتابة حلقاته اليومية.
أتذكر حينما كنت أقوم بالتسجيل في وجود الفنان الكبير رأفت فهيم.. وحينما منعه المرض أمراض الشيخوخة من الحضور إلى الإذاعة، كنتُ أذهب إليه في منزله حاملاً جهاز الكاسيت لأسجل له الجمل الحوارية الخاصة به.. واستمر هذا الوضع لسنوات، وكم كان حريصاً على ألا تفوت أي حلقة.. ووصل بنا الأمر إلى أنه استمر في التسجيل وهو نائم على فراشه.. ويناقشني في أدق التفاصيل.. أحكي له الحلقة؛ ولأن طريقة رده تختلف وفقاً لطبيعتها... استمر الأمر هكذا حتى توفاه الله تعالى.
وبحسبة بسيطة عن عدد حلقات برنامج "همسة عتاب" التي شاركت فيها حتى اليوم، نجدها تصل إلى (10000) عشرة آلاف حلقة... تعبر عن هموم المواطنين وتنقل صوتهم عبر وسيلتهم الإعلامية الأقرب وهي الإذاعة؛ تنقل صوتهم إلى المسؤولين.. وتعبر عن كل مَن يمر بنفس المشكلة ولم يرسل رسالته، فقد أرسل غيره وعبَّر عنه.
هذه الحلقات مليئة بالشجن والتفاصيل التي تعبر عن واقعنا الاجتماعي، ومن خلال خبرتي مع المشكلات ومن خلال تحليلها كمصدر حقيقي لواقع نعيشه، أستطيع أن أؤكد أن المواطنين -بنسبة كبيرة- يشعرون براحة عظيمة عند عرض مشكلتهم وإيصال صوتهم وإن لم تُحل المشكلة مباشرة.. فوصول الصوت مهم جداً ويعتبر جزءاً من الحل.
ومع ذلك، يتلقى البرنامج خطابات ردود من الجهات المسؤولة تقدم فيها ما اتخذته لحل المشكلة المعروضة التي تخصها؛ إذ في كل وزارة وهيئة من مؤسسات الدولة إدارة إعلام خاصة، من مهامها الاستماع إلى مثل هذه الحلقات والبرامج والموضوعات الصحفية التي تخصها.
ونحن نعرض حلقات الردود -عندما تصلنا- خلال حلقات البرنامج يومي الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع. وكثيراً ما تكون هناك حلول على أرض الواقع مباشرة من الجهات المسؤولة بدون تواصلهم مع البرنامج، وهذا هو الهدف الأساسي، وأعني: حل المشكلات.
أما ردود أفعال المواطنين أنفسهم ورسائلهم التي تصلني تعبيراً عن سعادتهم بإذاعة شكواهم أو بعد حلها، فهي تصلني بشكل يومي، وتعتبر أهم داعم لي في استمراري بالعمل في هذا البرنامج الشاق جداً جداً..
شاق لماذا؟ لأنه برنامج يومي ويحتاج لجهد كبير (ذهني وبدني) في إعداده وإخراجه.. ولأنه يتعرض بشكل مباشر لمشكلات كثير منها صعب للغاية ويؤثر على حالتي النفسية والصحية.. فتخيل معي أنك تغوص يومياً داخل هذا الكم من المشكلات؟! تأخذك دائماً نحو هذه الأمور الصعبة وما يترتب عليها من حالة نفسية وبدنية وصحية..
لكن في الأخير، أتقدم لكل متابعي برنامج همسة عتاب بالشكر الجزيل، وأعاهدهم على الاستمرار وإيصال صوتهم بمنتهى الشفافية والحياد.
كما أتقدم بالشكر الجزيل لكل المشاركين في البرنامج من زملاء الإذاعة ومن ممثلين لإثراء حلقاته ومواكبتها ومزامنتها للواقع الحالي.. ولن أستطيع ذكرهم بالأسماء لكثرتهم.. لكني أخص الزميلة الإذاعية الرائعة نهى بصيلة رفيقة الدرب الحالية، بعد الزملاء الذين خرجوا من قبل لبلوغهم السن القانونية.
التعليقات