يُطلُّ علينا المشهد العالمي اليوم من نافذة غزة المثخنة بالجراح، ليعلن بلا مواربة عن عصرٍ جديد تجاوز حدود "اللا منطق" السياسي؛ عصرٌ استبدل القوانين الدولية بـ "قانون الغاب"، حيث تُسحق عظام الأطفال تحت ركام البيوت، وتُباد أحياءٌ بأكملها في بث مباشر أمام ضمير عالمي أصابه الشلل.
لقد نجح الثنائي "نتنياهو-ترامب" عبر استراتيجية "الأرض المحروقة" والقوة المفرطة الغاشمة، في خلق حالة من الاضطراب الجيوسياسي الرهيب. وما حدث ويحدث في غزة، وانتقل إلى الدول العربية بعد ضرب إيران لترد إيران، ليس مجرد صراع عسكري، بل هو محاولة بائسة لكسر إرادة أمة، الأمر الذي وضع المواطن العربي أمام مأزق فكري ونفسي هو الأقسى في التاريخ الحديث.
في خضم هذا التدمير، يبرز التناقض الصارخ؛ فمن جهة، يجد الإنسان العربي نفسه مدفوعاً بتعاطفٍ فطري نحو إيران كدولة إسلامية تتعرض لمحاولات استنزاف داخلي واغتيالات لرموزها وكبارها، مما يدفعها للرد بضرب القواعد العسكرية لخصمها الموجودة فوق أراضٍ عربية. وهنا تكمن "المفارقة المرة": كيف يوازن هذا الإنسان بين تعاطفه مع دولة "مستهدفة" وبين رفضه القاطع لأن تُتخذ أراضي أشقائه العرب ساحة لتصفية الحسابات؟ إنه مأزق "التعاطف المكبول" الذي أحكم صناعته قادة لا يحكمهم عقل ولا قلب.
ولكن، ثمة حقيقة غائبة عن أذهان صناع هذه الفوضى؛ وهي أن سياسات "الاغتيال" واختطاف الرؤساء أو تصفية القادة - كما فعل ترامب سابقاً وكما يفعل نتنياهو اليوم - قد تقتل شخصاً، لكنها أبداً لا تنهي أمة. فالشعوب والأمم ليست مجرد كيانات سياسية عابرة تتغير بتغير رأس السلطة، بل هي "حضارات تحولت إلى جينات".
إن الحضارة التي تمتد آلاف السنين في أعماق الأرض وفي ثنايا الروح، تصبح جزءاً من الشيفرة الوراثية للشعوب. هذه الجينات الحضارية لا تتأثر على المدى الطويل بتغيير الرؤساء ولا بتدمير المباني؛ إنها قوة كامنة تتوارثها الأجيال، وتظل الروح الجماعية عصية على الفناء.
إن ما يغيب عن منطق القوة الغاشمة هو أن غزة، ورغم الدمار، ومن قبلها العراق واليمن وليبيا ومن بعدها فنزويلا وإيران.. تبرهن يومياً على أن الشعوب المتجذرة لا تموت. وأن الرهان على "الترهيب" لتغيير قناعات الأمم هو رهان خاسر؛ فالأجساد قد ترحل، والرؤساء قد يُغيبون، لكن "الجين الحضاري" يظل نابضاً، ينتظر اللحظة التي يستعيد فيها التاريخ توازنه، ليعلن أن الحق لا يموت، وأن الأمم هي الباقية.
التعليقات