تختتم الدورة الـ 57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب فعالياتها بمركز مصر للمعارض والمؤتمرات الدولية، تحت شعار ملهم: «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً». وبينما حلت رومانيا ضيف شرف، وتصدرت شخصية الأديب العالمي "نجيب محفوظ" المشهد الثقافي، كان البطل الحقيقي هو الجمهور الذي قارب الخمسة ملايين زائر، في مشهد يبرهن على حيوية العقل المصري والعربي. أثار هذا الإقبال الكثيف حفيظة البعض، الذين حاولوا التقليل من شأن الحدث بوصفه "نزهة" لا "رحلة بحث عن معرفة". والحقيقة أن هؤلاء فاتهم أن مجرد تواجد المواطن في رحاب الكتب، وتجوله بين 1457 دار نشر من 83 دولة، واستماعه لعروض المسرح المكشوف أو حضوره لندوة فكرية، هو في حد ذاته نجاح ثقافي باهر. وحتى لو افترضنا جدلاً أن مليوناً واحداً فقط من هؤلاء الملايين قاموا بالشراء، فنحن أمام رقم استثنائي يعيد الاعتبار لصناعة النشر في ظل التحديات الاقتصادية.

كان لي شرف التواجد في هذه الدورة الاستثنائية من خلال ثلاثة أعمال أدبية جديدة، لامست فيها تفاعل الجمهور مع الكلمة المكتوبة، وهي: رواية "المقاطعة التاسعة" (دار غراب للنشر والتوزيع). رواية "جريمة النادي الصحي" (دار سما للنشر والتوزيع). المجموعة القصصية "رحلة سعيدة للمسافر س" (دار بتانة للنشر والتوزيع). وكانت مشاركات الأشقاء العرب مبهجة للغاية، ومن أبرز أجنحة ومشاركات الدول العربية المملكة العربية السعودية حيث تدشين جناح رسمي يضم هيئة الأدب والنشر والترجمة و10 جهات حكومية أخرى، مع برنامج ثقافي أدبي شامل. كما تمثلت مشاركة دولة قطر في جناح "دار جامعة حمد بن خليفة للنشر" الذي شهد إقبالاً على الكتب المترجمة. وظهرت كل من الأردن والبحرين بمشاركة قوية في الدورة السابعة والخمسين للمعرض. وتواجدت دور نشر بيروتية مثل "رياض الريس للكتب والنشر". فالمعرض يركز على إبراز التراث الثقافي وتعزيز التبادل الثقافي بين الدول العربية.
وبرغم البهجة، لا يمكننا إغفال التحديات التي تعكر صفو علاقة "المؤلف والناشر". فمع وجود أكثر من ألف دار نشر في مصر، تحول الأمر لدى البعض إلى تجارة بحتة تفتقر للمعايير الأدبية، حيث يُطالب المؤلف، وخصوصًا الشباب، بتحمل تكاليف النشر بغض النظر عن جودة العمل.
والأخطر من ذلك هو "تلاعب الأرقام"؛ حيث يعمد بعض الناشرين إلى طباعة طبعات متعددة دون تدوين رقم الطبعة الحقيقي، لإخفاء حجم المبيعات الفعلي عن المؤلف والجهات الرقابية، مما يهدر حقوق المبدعين. لذا، نضع أمام الجهات المعنية واتحاد الناشرين هذه التوصيات: الرقابة على المطابع وإلزامها بتقديم "كشوف طباعة" رسمية توضح أعداد النسخ لكل عمل، لضمان الشفافية. وضع معايير صارمة لاختيار الأعمال، خاصة مع تزايد الاعتماد على "الذكاء الاصطناعي" في الكتابة، لضمان مستوى يليق بمكانة مصر الثقافية. ضرورة تفعيل دور الاتحاد في فض المنازعات المالية وحماية حقوق المؤلفين من تغول بعض دور النشر.
وبالنظر للدورات القادمة، نتمنى أن يتوج الافتتاح الرسمي بمشاركة السيد رئيس الجمهورية، تقديرًا لمكانة الثقافة في بناء الإنسان. كما نقترح التوسع في توفير حافلات مخصصة من الأقاليم بأسعار مدعومة، أسوة بالخطوط الناجحة داخل القاهرة، لتسهيل وصول القراء من شتى بقاع المحروسة.
يبقى معرض القاهرة الدولي للكتاب هو "الرئة" التي تتنفس من خلالها الثقافة العربية، وحمايته من التلاعب وتطوير آلياته هي مسؤولية مشتركة بين الدولة، والمثقف، والناشر.
التعليقات