في المجتمعات التقليدية كانت الشائعة تنتشر غالبًا بصورة عفوية. خبر يسمعه شخص فينقله إلى آخر، ثم ينتقل عبر شبكة العلاقات الاجتماعية حتى يصل إلى نطاق أوسع. وعلى الرغم من أن هذا النمط من التداول قد يؤدي إلى انتشار معلومات غير دقيقة، فإنه كان يظل محدودًا نسبيًا بسرعة الاتصال داخل المجتمع.
أما في عصرنا الرقمي الحالي فقد تغيرت طبيعة انتشار الأخبار تغيرًا جذريًا. فالمعلومة اليوم يمكن أن تصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق قليلة، وتنتقل عبر شبكات واسعة من المستخدمين الذين لا يعرف بعضهم بعضًا. هذا التحول لم يغير فقط سرعة انتشار الأخبار، بل غيّر أيضًا طبيعة المجال العام نفسه. ففي البيئة الرقمية لم يعد تداول المعلومات عملية اجتماعية عفوية بالكامل، بل أصبح من الممكن توجيهها وتضخيمها بصورة منظمة. وهنا تظهر ظاهرة يمكن وصفها بـ صناعة الضجيج المعلوماتي؛ أي خلق بيئة يغلب عليها التدفق الكثيف والمتناقض للروايات بحيث يصبح من الصعب على القارئ التمييز بين الحقيقة والتضليل.
وتبدأ هذه العملية غالبًا بتضخيم رواية معينة. قد يكون الحدث في الأصل محدودًا أو غامضًا، لكن مع نشر عدد كبير من التعليقات والتحليلات حوله في وقت قصير، يبدو وكأنه القضية الأكثر أهمية في المجال العام. ومع مرور الوقت تتشكل حوله موجة واسعة من النقاش قد تتجاوز حجم الحدث نفسه. وفي مثل هذه الحالات لا يكون الهدف دائمًا إقناع الناس برواية محددة بقدر ما يكون الهدف إغراق المجال العام بالرسائل المتناقضة. فعندما تمتلئ الساحة بعشرات الروايات المختلفة يصبح من الصعب على المتلقي العادي تقييمها بدقة. وبدل أن يؤدي النقاش إلى توضيح الحقيقة، قد يتحول إلى مصدر إضافي للالتباس. وقد برز في السنوات الأخيرة مصطلح شائع لوصف بعض الأدوات المستخدمة في هذه العملية، وهو ما يعرف بـ الذباب الإلكتروني. ويشير هذا المصطلح إلى شبكات من الحسابات التي تعمل بصورة منسقة على منصات التواصل الاجتماعي بهدف توجيه النقاشات العامة والرأي العام. فتقوم هذه الحسابات بتضخيم رواية معينة، أو مهاجمة روايات أخرى، أو نشر كميات كبيرة من التعليقات التي تعيد إنتاج الرسالة نفسها بصيغ مختلفة.
وتعتمد هذه الاستراتيجية على مبدأ بسيط في علم الاتصال: التكرار يولد التأثير. فحين يرى المستخدم الرسالة نفسها تتكرر عبر عدد كبير من الحسابات، يتولد لديه انطباع بأنها تمثل رأيًا واسع الانتشار داخل المجتمع. ولكن هذا الانطباع يكون حقيقةً مضللًا، لأن عددًا كبيرًا من هذه الحسابات يكون جزءًا من حملة منظمة.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على نشر رسائل محددة، بل قد تهدف أحيانًا إلى إرباك النقاش العام. فبعض الحملات لا تسعى إلى إقناع الجمهور برواية معينة بقدر ما تسعى إلى تشتيت الانتباه وإغراق النقاش بتفاصيل ثانوية. وفي هذه البيئة يصبح من الصعب على القارئ متابعة الخيط الرئيسي للموضوع. و هذه الاستراتيجيات لا تنجح فعليًا إلا في بيئة يكون فيها المجال العام قابلًا للفوضى المعلوماتية، يميل المستخدمون فيها إلى مشاركة الأخبار دون تحقق، وهنا تجد الرسائل المضللة طريقها بسهولة إلى الانتشار. أما إذا كان هناك قدر واسع من التثبت في تداول المعلومات، فإن تأثير هذه الحملات يتراجع بصورة كبيرة. ولهذا يمكن القول إن التضليل المنظم لا يعتمد فقط على وجود جهات تحاول نشر روايات معينة، بل يعتمد أيضًا على طبيعة البيئة الاجتماعية التي تستقبل هذه الروايات. فكل مشاركة غير متثبتة تسهم — ولو بصورة غير مقصودة — في توسيع المجال الذي يمكن أن تعمل فيه هذه الحملات.
وتزداد هذه المشكلة تعقيدًا بسبب الطريقة التي تعمل بها خوارزميات المنصات الرقمية. فهذه الخوارزميات مصممة لتعزيز المحتوى الذي يحقق قدرًا كبيرًا من التفاعل، مثل التعليقات والمشاركات وإعادة النشر. وغالبًا ما يكون المحتوى المثير للجدل أو الغضب أكثر قدرة على تحقيق هذا النوع من التفاعل. ونتيجة لذلك ينتشر المحتوى الذي يثير الانفعال بسرعة أكبر من المحتوى المتوازن أو التحليلي. فالخبر الصادم أو التحليل الحاد يجذب الانتباه ويحفز النقاش، بينما ينتشر التفسير الهادئ ببطء أكبر. ومع مرور الوقت يؤدي هذا النمط من الانتشار إلى تضخيم الخطابات الأكثر إثارة، حتى لو لم تكن الأكثر دقة.
في هذه البيئة يصبح الضجيج المعلوماتي ليس مجرد نتيجة جانبية للنقاش العام، بل أحد السمات البنيوية للنظام الإعلامي الرقمي. فالمحتوى الذي يثير التفاعل ينتشر بسرعة، بينما يظل المحتوى الأكثر توازنًا في نطاق أضيق. ومع ذلك فإن هذا الواقع لا يعني أن الفرد يفقد مسؤوليته في التعامل مع المعلومات. فحتى في بيئة يغلب عليها الضجيج، يظل للمستخدم قدرة على التأثير في طبيعة المجال العام عبر اختياراته اليومية. كل مشاركة، وكل تعليق، وكل خبر ينقله الإنسان يسهم بدرجة ما في تشكيل البيئة المعلوماتية التي يعيش فيها المجتمع.
فإذا اختار المستخدم مشاركة الأخبار المثيرة دون تحقق، فإنه يضيف حلقة جديدة في سلسلة الضجيج المعلوماتي. أما إذا اختار التريث قبل النشر، فإنه يساهم — ولو بشكل محدود — في تقليل الفوضى التي تسمح بانتشار التضليل.
وهنا يعود المبدأ الأخلاقي الذي أشار إليه القرآن في سياق تداول الأخبار:
(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)
ففي عالم تتسارع فيه الأخبار وتتنافس الروايات، يصبح هذا التوجيه أكثر أهمية من أي وقت مضى. فهو يذكر الإنسان بأن المسؤولية عن الكلمة لا تتغير بتغير الوسائط التي تنتقل عبرها. سواء أكانت الكلمة تقال في مجلس صغير أو تُنشر في منصة يصل محتواها إلى ملايين الأشخاص، فإن قيمتها الأخلاقية تبقى مرتبطة بدرجة صدقها.
وليس أخطر ما في الضجيج المعلوماتي أنه يسمح بانتشار الأخبار غير الدقيقة، بل الأخطر أنه يخلق حالة عامة من الشك تجعل الحقيقة نفسها تبدو موضع جدل دائم. ففي بيئة تمتلئ بالروايات المتناقضة قد يفقد الناس ثقتهم في إمكانية الوصول إلى معرفة واضحة. فالحقيقة لا تظهر بوضوح أكبر إلا عندما يهدأ الضجيج. وتقل الروايات غير المتثبتة، فيصبح من الأسهل تمييز المعلومات الموثوقة من غيرها.
ولهذا فإن تقليل الضجيج المعلوماتي ليس مجرد مسألة أخلاقية، بل هو شرط أساسي لحماية المجال العام من التضليل. فحين يتراجع تداول الأخبار غير المتحقق منها، تفقد الحملات المنظمة جزءًا كبيرًا من البيئة التي تسمح لها بالانتشار.
وفي نهاية المطاف قد لا يكون في وسع الفرد العادي إيقاف الحملات المنظمة أو تغيير طبيعة النظام الإعلامي العالمي. لكن بإمكانه أن يتحكم في شيء واحد على الأقل: الدور الذي يلعبه هو داخل هذا النظام. فكل كلمة ينشرها الإنسان في الفضاء الرقمي تضيف شيئًا إلى المشهد العام: إما وضوحًا يساعد الناس على فهم ما يحدث، أو ضجيجًا جديدًا يزيد الالتباس.
وبين هذين الاحتمالين تتحدد القيمة الحقيقية للكلمة في عصر الشبكات الرقمية.
التعليقات