"زينوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنًا"، وياالله.. ويا ماشاء الله.. وتبارك الله.. اللهم بارك ويا صلاة النبى ويا ديننا الحنيف يا إسلامنا يا قرآننا يا آياتنا المكرمات المنزلات المرتلات المجوّدات.. ما كل هذا الفضل الذى فاض وازدهى وأصبح واجهة مشرقة لأجيال جديدة عريضة تحفظ القرآن وتزينه وترتله وتجوّده وتتبارى للفوز بنفحاته، وتسير على هَدى قول النبى صلى الله عليه وسلم": من لم يتغن بالقرآن فليس منا"، وتتلو على منوال أسلوبه كما فى قول عبدالله المزنى: "رأيت النبى يقرأ على ناقته وهى تسير به سورة الفتح قراءة لينة، يقرأ وهو يرجع" - الترجيع تحسين التلاوة - وحول رجع صوته النبوى يقول البراء بن عازب: " سمعت النبى يقرأ فى العشاء بالتين والزيتون فما سمعت أحدًا أحسن صوتا منه".. ومن أجمل الأصوات على أذن الرسول كان ترتيل أبى موسى الأشعرى حتى ليقول له: "لو رأيتنى وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير داوود"، وعن صوت بن مسعود قال صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أُنزل فليقرأه على قراءته"، وفى المقابل يذكر ابن مسعود: قال لى النبى صلى الله عليه وسلم اقرأ علىّ القرآن فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أُنزل؟ "قال إنى أحب أن أسمعه من غيرى فقرأت عليه سورة النساء حتى جئنا إلى هذه الآية: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا"، قال حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)".
التغنى بالقرآن فى قائمته الذهبية العالمية يشير إلى عمالقة التلاوة فى مصر، ومنهم الشيخ عبدالباسط عبدالصمد ويعرف بلقب "صوت السماء"، والشيخ محمد صديق المنشاوى ولقبه "القارئ الباكى"، وتعد تلاوته مرجعا فى الإتقان والخشوع، والشيخ محمود خليل الحصرى أول من سجل القرآن الكريم كاملا وأبرز من أتقن أحكام التجويد، والشيخ مصطفى إسماعيل الملقب بـ"مقرئ الملوك والرؤساء" ويتميز بقدراته الصوتية الفريدة بلا مثيل والشيخ محمد رفعت الملقب بـ"قيثارة السماء"، وجاء رأى الشيخ محمد متولى الشعراوى فى كل منهم بقوله: "إن أردنا إحكام التلاوة فهو الحصرى، وإن أردنا حلاوة الصوت فهو عبدالباسط، وإن أردنا النفس الطويل مع العذوبة فهو مصطفى إسماعيل، وإن أردنا هؤلاء جميعا فهو الشيخ محمد رفعت"..
ولكى يظل التفرد الذهبى فى التغنى بالقرآن قائما فى مصر، فالحراك الآن مشتعل، والمسابقات قائمة، والآيات تتلى، والفرز على قدم وساق، والإنصات رهيف، والتشجيع منهاج، والأجزاء المنزلة تطوى محفورة على شاشات الذاكرة، والنبوغ يطل ما بين الفواتح والخواتم وصدق الله العظيم، ومحافظات مصر تموج الآن استعدادا للاشتراك فى مسابقة الموسم الثانى 2026 لبرنامج "دولة التلاوة" التى تنظمها وزارة الأوقاف بالتعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، حيث تقدم حتى الآن 25 ألف متسابق من جميع المحافظات، يتم تصفيتهم تباعا بهدف اكتشاف ورعاية المواهب المتميزة فى تلاوة القرآن الكريم، ودعم الأصوات الواعدة وإبراز جيل جديد من القراء المصريين بما يسهم فى الحفاظ على ريادة مصر فى مجال التلاوة والقرآن الكريم..
جواهر التصفيات لعام 2026 سيتم تقديمها فى البرنامج التليفزيونى "دولة التلاوة" الذى تقدمه الإعلامية المتفردة آية عبدالرحمن عضو مجلس النواب والمذيعة البارزة فى قناة اكسترا نيوز من يعكس وجهها الصبوح صدى لأجمل التلاوات القرآنية المرشحة للفوز.. نهاية التصفيات ستأتى فى 11 أغسطس ليحتفل بالفائزين بدولة التلاوة فى ليلة القدر برمضان القادم فى حفل مماثل لاحتفالية العام الماضى التى أقامتها وزارة الأوقاف، حيث قام الرئيس عبدالفتاح السيسى بتسليم الفائزين جوائزهم المبهرة التى فاز فيها المتسابق أشرف سيف صالح عبدالله بمليون جنيه فى جائزة الترتيل وتم تسجيل القرآن كاملا بصوته، وفاز بمليون جنيه مماثلة محمد محمد كامل عبدالحميد فى التجويد، وفى تصويت الجمهور فاز عمر على عوض محمد من الجيزة بمليون ثالثة، إلى جانب عشرات الجوائز على مستوى الآلاف.
هذا الذى يتم الآن فى عام 2026 لتخريج دفعات من سلاطين التلاوة التى كانت على أيامنا مقتصرة على عدد من القراء لا يتجاوزون ثلاثة أو أربعة، تتسع دوائر شهرتهم من قرية لمحافظة لسرادقات العاصمة تبعا لعوامل الصدفة والحظ الذى يوصل لميكروفون بداية الفقرة الصباحية للإذاعة السلكية واللاسلكية التى يتذبذب فيها الإرسال وتسرسع الأصوات وتهرول الآيات داخل الشريط الهارب.. لكنه التقطها.. فاروق.. استطاعت الأذن العليّة تخريجها من وسط الضجيج.. ما قد حدث فى 28 ابريل من عام 1943 أن ترامت صامدة جلية واضحة على موجات الأثير تلاوة آسرة للآيات البينات من سورة الرحمن "الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علّمه البيان الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا فى الميزان".. وما أن تأتى خاتمتها "تبارك اسم ربك ذى الجلال والإكرام" بعد نصف ساعة من العطاء النورانى نهل فيها فاروق من الصوت الأخاذ الذى ملك عليه الفؤاد حتى سأل فأجابوه وجاءوه بصاحبه.. المقرئ الشيخ مصطفى محمد المرسى اسماعيل من اختاره القدر ليسمعه الملك فيعجبه ليأخذ بيده من أول الطريق ليتربع بعدها على عرش التلاوة.. لم يكن الشيخ قد خرج من قريته بعد ولا دخل بقدمه مبنى اإذاعة فى العاصمة، وإنما كانت المناسبة لقراءته عندما أقامت جمعية "تضامن القراء" حفلا دينيا يُحييه الشيخ عبدالفتاح الشعشاعى فى المحافظة وتنقله الإذاعة على الهواء مباشرة..

وبدأ البث بالفعل لكن نجم الحفل الشعشاعى لم يتمكن من الحضور لإصابته بنزلة برد مفاجئة أصابت حنجرته بالوهن، ولإنقاذ الموقف تحمس أحد معارف الشيخ مصطفى ليدفع به إلى الميكروفون، وجلس شيخنا فوق الأريكة يتلو مما أعطاه الله، فالموهبة عطاء من الله يمنحه لمن يشاء، وقد أعطاه مولاه صوتا يُطرب الملائكة وتهتز له الأجواء وتغار منه البلابل وينفذ إلى قلوب البشر سحرا حلالا تخشع له الأفئدة.. سمعه الملك فأصدر أوامره لينطلق مراد محسن باشا ناظر الخاصّة الملكية ليأتى بالجوهرة من بطن أرض قرية ميت غزال مركز السنطة محافظة الغربية، وفى المكتب الخاص لناظر الخاصّة الملكية يطلب من المقرئ القادم بخاصته المتفردة فى الأداء قراءة بعض السور للتذوق بنفسه قبل العرض على مولاه.. وبدأت التلاوة بنفحتها السماوية ليخشع السامعون من كبار موظفى القصر، وتحدث الضجة قادمة من خلف الباب.. صاحب الجلالة.. استشعر فاروق نفحات الصوت العبقرى فى أرجاء القصر فانطلق من مجلسه للانضمام إلى كوكبة السميعة، وفى نهاية التلاوة صدرت الأوامر بأن يغدو ابن ميت غزال قارئ القصر.
ويخلو مكان قارئ الأزهر فيدعوه الأزهر للقراءة فى صيف 1947، ويوقّع الشيخ الطلب الموجه لوزارة الأوقاف لإجازة شغل المكانة الرفيعة.. وانتظر طويلا خطاب التعيين الذى لم يأته ولم تظهر بوادره، وطال الانتظار ونضب معين الصبر، ويسمع بالأمر كل من ناظر الخاصة عاشق الصوت الجميل، ومحمد حيدر باشا القائد العام للجيش اللذين ينقلان الأمر الغريب لفاروق.. و..يصبح الشيخ مصطفى اسماعيل مقرئ الأزهر لأكثر من ثلاثين عاما تنتهى برحيله.. لكن كيد الحاسدين كان عظيما، و"أتارى" أعداء النجاح وأهل الشر ليسوا أبناء اليوم بل الأمس وأول الأمس، فما أن توجه القارئ القادم الضارب صفحا عن الصغائر لأداء مهمته حتى فوجئ بأجواء مشحونة داخل المسجد، وظل يبحث عن الدكة ليجلس عليها للقراءة فلم يجدها، وهى بحجمها المعروف ومكانها المعهود لا مجال لاختفائها وإنما تندس بفعل فاعل، وبحث عن الميكروفون فلم يجده هناك الميكروفون فنصحه مريدوه بالجلوس على الأرض والقرآءة المباشرة بلا وسائط.. وبدأت تلاوة الآيات البينّات لكن هتاف التشويش والصراخ المفتعل على المستمعين ارتفعت حدته يطلب بغلظة عدم السماح للمطرب القادم الذى يدعى تلاوة القرآن بالاسترسال فى تلاوته.. وقام الأحبة بالالتفاف حول الشيخ مصطفى لحمايته من المعتدين لتقوم معركة القراءة فى رحاب الأزهر تغلب فيها جمهور المصلين على المشاغبين المأجورين من قِبل شيخ آخر، وظهرت الدكة والميكروفون ولم يكن قد تبقى على آذان الجمعة سوى عشر دقائق وبعد صلاة الجمعة التف المصلون حول الشيخ يطلبون المزيد فقرأ من بعد الصلاة مباشرة إلى أن أذّن بهم العصر، ومن بعد العصر خرج الشيخ مصطفى إلى الطريق وحوله مظاهرة اجتمع فيها ما يقارب ألفا من المصلين واتجهوا إلى محل العجاتى للغداء..
ومن رحاب الأزهر ينطلق الصوت المعجزة إلى كل مكان فى العالم لينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن أحسن من يقرأ القرآن فأجاب: "من إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله".. يقرأ مصطفى إسماعيل فى أمريكا وأوروبا وآسيا ويسمع المسلمون ترتيله فى سان فرانسيسكو وباريس ولندن وكوالالمبور وأنقرة وكراتشى واستنبول وطهران ودمشق وبيروت وجميع العواصم العربية... وتسمعه قبة الصخرة وأركان المسجد الأقصى وساحته وفلسطينه كماسمعت من قبل داوود عندما كان يقرأ فى بيت المقدس فيجتمع لسماعه الإنس والطير والوحش..
وليس أنشط من ميكروفون الإذاعة مندوب الشهرة قبل التليفزيون والنت فى وضع الموهبة تحت الأضواء، فلم يكد مصطفى اسماعيل يُسمع فى الميكروفون لمدة نصف ساعة أسبوعيا، حتى انتهى عصر وبدأ عصر جديد للمقرئ القادم من مركز السنطة غربية ربيب كتّاب الشيخ أبوحشيش وعصاه الغليظة "كان فضله علينا كبيرا فى حفظ القرآن وتجويده، وأذكر أننى أخطأت يومًا فى التسميع فهجم علىّ وعضنى فى كتفى حتى انبثق الدم، وعدت إلى أمى وقلت لها إن سيدنا عضنى، فما كان منها إلا أن أحضرت ترابا بهدوء ووضعته على الجرح ومضت تكمل مهامها".. عصر الإذاعة الجديد الذى نال فيه مقرئ القرآن ممثلا فى الشيخ مصطفى اسماعيل عام 1965 فى عيد العلم توأم الوسام الذى حصل عليه كل من الدكتور طه حسين وفكرى أباظة وأم كلثوم وعبدالوهاب، وفى العام نفسه يمنح أعلى أوسمة لبنان.. وسام الأرز.. وفى تركيا يستقبله الرئيس فخرى كوروتورك فى القصر الجمهورى ويهديه مصحفا أثريا مكتوبا بماء الذهب، ويحمل الشيخ الموهوب وسامين من لبنان أحدهما برتبة ضابط والثانى برتبة كوماندو، إلى جانب وسام الاستحقاق من سوريا.. وكان شيخنا لا يسافر للخارج إلا ومعه عمامة احتياطية للطوارئ بعدما طلب منه تقى الدين الصلح رئيس وزراء لبنان بلهجته اللبنانية الودود: يا شيخ مصطفى بدى عمتك؟ فخلعها الشيخ وقدمها إليه فثبتها على رأسه قائلا بحبور: "تمام والله.. وكأنها معمولة من شانى"، واستطرد قائلا: ومن شان هيك أنا باخدها، مين عارف سرها"..
وكان الشيخ مصطفى قد مكث طويلا رافضا القراءة من وراء ميكروفون الإذاعة، لإدراكه أنه يحتاج عادة لأكثر من النصف ساعة المعروضة عليه، وذلك لمجرد التسخين لكى ينفتح صوته وتجلو حنجرته لتجلجل الآيات فى الأرجاء للكشف عن مكنون جواهره وذلك لتعوده على القراءة فى السرادقات والاحتفالات الدينية الحاشدة بالساعات، كما كان لا يستمرئ القراءة بين جدران الاستوديو المسمطة بمعزل عن التواصل على الطبيعة مع آذان السميعة عند سخونة وقع ترتيله ومظاهرة عبارات التشجيع المأثورة المحفّزة على زيادة الإجادة ورفع معدلاتها.. الله الله.. تبارك الله، ويسكت ليعم الصمت العميق الأرجاء إلا من رجع الأنفاس، ويعاود القراءة فينتشى المستمعون يلهجون بالثناء يمددون تعابيره مدًا يطالبونه بالتكرار.. صاحب النطق صحيح للغة العربية شئنا أم أبينا فهو أداء غناء، فهى لغة شعورية حسية، قبل أن تكون تشكيلية بصرية، إنها اللغة الشاعرة كما يُسميها العقاد..
ويروى الشيخ عن بداياته الإذاعية: "جاءنى بعضهم فى عربة الإذاعة واستقبلتهم فى ميت غزال لأقول لهم إن لى ثلاثة مطالب" أولا القراءة لا تقل عن ساعة كاملة، والثانى أن تتم التسجيلات فى المساجد، والثالث أن يكون أجرى خمسون جنيها للقراءة الواحدة.. وأبدًآ لم أكن أريد منهم خمسين ولا ستين، ولكنى أردت الخلاص من الإلحاح من جهة، ومن جهة أخرى كانت الإذاعة تدفع للمنولوجست محمود شكوكو فى مونولوج "حدرجى بادرجى" خمسة وثلاثين جنيها، بينما تدفع للشيخ محمد رفعت اثنى عشر جنيها، وللشيخ عبدالفتاح الشعشاعى أقل من ذلك، وللبقية مثل الفشنى وعبدالعظيم زاهر وشعيشع أقل الأقل من ذلك، ولكى أسهل عليهم الأمر عرضت عليهم القراءة مجانا مع مطلبى الساعة والمسجد، وأعطيتهم وعدا بزيارة مبنى الإذاعة فى شارع الشريفين بالقاهرة تلبية لدعوة المشرف على برامجها الأستاذ محمد فتحى الذى أطلقت عليه الصحف وقتها "كروان الإذاعة"..
ويسافر الشيخ يطرق باب الكروان ليتذكر محبطا ذكرى أول لقاء: "لم ألق الاستقبال اللائق بى كقارئ للقرآن الكريم، انتظرت ثلاثة أرباع الساعة فى حجرة سكرتير الأستاذ محمد فتحى، ثم أذنوا لى أخيرا بالدخول عليه لأجده مشغولا عنى كلية بمكالمة تليفونية طويلة، فنظرت إليه بغضب قائلا: أنا لا أريد العمل فى الإذاعة، ولم أحضر هنا لاستعطافك، ولكنى حضرت بناء على وعدى لرجالك بالحضور إليك بعد إلحاحهم، وقد أدهشتنى طريقة استقبالك لى وانصرافك عنى داخل سماعتك، ولهذا لن أعمل فى الإذاعة، وأرجو ألا تتصلوا بى مرة أخرى لأنى لن أحضر".
ولبث الشيخ مصطفى اسماعيل رافضا التعامل مع الإذاعة حتى عام 1948 عندما أقعد المرض الشيخ محمد رفعت، ولم يوقع الشيخ مصطفى عقد الإذاعة للتلاوة على مدى نصف الساعة فقط إلا رضوخا لإلحاح مراد محسن باشا وحيدر باشا ليظل بعدها يردد فى كل مجال: "الثلاثون دقيقة ليست هى مصطفى اسماعيل" فجواهره تتكشف كلما امتدت ساعات القراءة وازداد الأداء تمكنا وارتيادا لآفاق المقامات مجلجلا بجوابات الجوابات التى لم لم يصل إليها صوت غير صوته، ولا حكمها أداء إلا أداؤه.. والسر الإسماعيلى فى التلاوة سألته عنه يوما أم كلثوم دون قصد بينما كان بيت القصيد هو "انت تعلمت المزيكا فين يا مولانا؟"، فأجابها نافيا علمه بالموسيقى، فعادت تستجوبه باندهاش: "ألم تعزف يوما على أوتار عود أو تداعب أصابع البيانو؟" فقال صادقا بعفويته الجميلة: "لا.. أنا عرفت المقامات من السميعة، فكلما أقرأ آية اسمع واحد يقول لى يا حلاوة الصِبا.. يا مش عارف إيه النهاوند.. إنها الفطرة يا مولاتى طريقتى فى الأداء".. وحول تلك الفطرة قال الشيخ درويش الحريرى: "إنها أقوى وأصح من كل الدراسات ولا يمكن لأى معهد فنى بكامل مناهجه الوصول إليها"..
ومثل أم كلثوم قال محمد عبدالوهاب لعاطف مصطفى اسماعيل الابن الأكبر للشيخ: "كان والدك يتمتع بمقدرة فائقة فى تركيب السلالم الموسيقية، أبوك كان عبقرى يا ابنى. زمان كان يحيى ليالى رمضان عند الملك فاروق وكنا نأخذ عربية علشان الناس متعرفش احنا رايحين نسمع مين لأنهم كانوا بيتلموا حوالينا بشكل غير عادى ويخربوا علينا الانسجام.. أنا كنت حريصا على سماع الشيخ اسماعيل كل ليلة. أسمعه وأتعجب. أربعين سنة فشلت فى أن أضبط ودنى مع صوته لأنه كان عنده عنصر المفاجأة فى كل آية من البداية للنهاية، فإذا ما حاولت اللحاق بصوته يفاجئك حتى فى حالة تكراره للآيات، ويكفينا سماع والدك فى قوله تعالى: "الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة. كذبت ثمود وعاد بالقارعة"، عندما تكتشف عظمة الأداء".
صاحب إعجاز التلاوة مصطفى اسماعيل مزج بين علم القراءآت وعلم المقامات الموسيقية مزجا لم يسبق له مثيل بالفطرة، حيث كانت لديه القدرة والموهبة الخلاقة لاستحضار حجة القرآن فى صوته وبثها فى الأفئدة.. سيد التجويد الذى كان يحب لقب خادم القرآن درس التجويد وعلم القراءات على يد الأستاذ ادريس فاخر المفتش العام على الكتاتيب: "كان يفتش علينا فى الكتاب فكنت أسمع له جزءين جزءين، وهو يستوقفنى للتصحيح، ولم يكن يكتف بالتسميع فى الكُتاب، فكان يصحبنى معه ليسمعنى ع الزراعية ولا يكف يعيدنى"ارجع من الأول يا ولد"، ومن بعد تجويد اسماعيل ومراجعة إدريس له فى ثلاثين ختمة للمصحف الشريف وهو لا يزال فى سن الثانية عشرة تمت مكافأة إدريس بتلبية جميع طلباته من طربوش وزعبوط ومركوب.. والتجويد هو الإتيان بالشىء الجيد، وليس المقصود به التغنى أو التطريب، وجاء فى القرآن الكريم "ورتل القرآن ترتيلا" أى زد فى تجويده بحيث تظهر القراءة معانيه، ويذكر شيخنا فى محطات مسيرته لتلاوة القرآن: "ذهبت أستعلم فعلمت أن لتلاوة القرآن، أربعة أشكال متوارثة عن السلف" منها التدوير وهو القراءة السريعة مع عدم الإخلال بحقوق الحرف، وهناك الحدر وهو أقل سرعة، والترتيل وهو أقل سرعة أيضا، والتجويد وهو الإجادة التامة وغاية المراد"، وتذكر السيرة النبوية أنه عندما أدرك أبى موسى الأشعرى أن الرسول كان ينصت لقراءته فقال له: "لو كنت أعلم لحبرته لك تحبيرا، أى لزدت فى التجويد حتى ينال كل حرف حقه ومستحقه فى المدود والقصور والإظهار والإخفاء والإقلاب" وكل تلك المهارات لا تُكتسب إلا بالسماع والترديد، والرسول الكريم قدوتنا فى ذلك فقد تلقى عن ربه بالسماع والترديد عن طريق جبريل، وكان نبى الله يتعجل القراءة مخافة أن ينسى فطمأنه ربه بقوله: "سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله"، أى لا تخف يا محمد فما عليك إلا أن تتلقى كما تُبلغ.. "لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه"، وفى علم التلاوة أن التجويد ليس مجرد تحسين للصوت بل هو صمام الأمان الذى يحمى النص القرآنى من التحريف واللحن، واتقان تلاوة القرآن بالتجويد هو زينة اللسان، ودليل على محبة كلام الرحمن، والتجويد نور يضىء الحروف وبه يزداد العبد خشوعا وتدبرا لمعانى الكتاب الحكيم، وفى كل حرف مجود أجر مضاعف فيه تصان الألفاظ وتحفظ هيبة الآيات، وأهم أحكام التجويد فى الوقف والابتداء، فالوقف مهم جدا وإلا اختلفت المعانى اختلافا جذريا، وكمثال لذلك عندما توقف الخطيب أمام رسول الله بعدما قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما".. وتوقف، فقال له الرسول: "بئس الخطيب أنت. قل ومن يعصهما فقد غوى"، فإذا ما كان هذا الخلل قد اعترى كلام البشرفكيف بالوقوف المخل فى قوله تعالى كمثال "ولا تقربوا الصلاة" فتكملة الآية واجبة، والوقف هنا يخل بالمعنى بل يأتى بنقيضه..
فى رحلة إعجابى الممتدة بتلاوة مصطفى اسماعيل وتجويده وترتيله كانت أقرب الصديقات سامية مصطفى اسماعيل إحدى أنجال الشيخ الستة وهم بالترتيب إنجى وعاطف وسمير ووحيد وسامية وماجدة، البنات خريجات الأمريكان كولدج، والأشقاء كبيرهم المهندس عاطف الذى أقام بيتا يقيم فيه ببلدتهم بميت غزال منبت رأس والده فى 17 يوليو 1905.. تصحبنى سامية فى جولة حب الاستطلاع الصحفى لتضع أمامى نقاطا فوق حروف.. أعرف منها الكثير بالكلمات والوثائق والصور، ومنها أن المذيعة المعروفة همت مصطفى ليست ابنة الشيخ مصطفى اسماعيل ولا هى الشقيقة للزوجة فاطمة محمد عمر ابنة دمياط التى أعجب بها الأب من النظرة الأولى وتزوجها عام 1931 ولم تشاركها أخرى طوال مسيرته، وربما تعود تلك البنوة المزعومة ترديدا لمناداة الشيخ لها بهمت يا بنتى أسوة بالرئيس السادات عندما كان يجلس قبالتها فى حواره التليفزيونى معها من فوق فرن قرية ميت أبوالكوم، السادات الذى كان يُقلد تلاوة الشيخ للقرآن فى المعتقل، وبعدما أصبح رئيسا كان حريصا على استدعائه ليقرأ له دوريا فى بيته بالجيزة، وكان الشيخ المعمم الوحيد الذى صحب السادات فى رحلته المفاجئة إلى القدس إذ استدعوه على حين غرّة فى السادسة صباح يوم السفر فى نوفمبر 1977 ليقرأ فى صلاة الفجر بالمسجد الأقصى فى عيد الأضحى المبارك بصوت حزين ذى شجون على الهواء عبر الأقمار الصناعية ليسمعه العالم أجمع فيثير ذكريات العرب والمسلمين وأحزانهم على مسجدهم الأسير..
ولم تكن المرة الأولى التى يزور فيها مصطفى اسماعيل المسجد الأقصى، فقد كان تردده عليه كثيرا مع مسجد قبة الصخرة للقراءة فيهما قبل وقوعهما تحت الاحتلال الاسرائيلى فى 5 يونيو 1967.. تسرد ابنة الشيخ ذكريات أتابعها بالتسجيل لمحطات حياة الشيخ الجليل: "كانت انطلاقة والدى الأولى كما كان يروى لنا من سرادق العزاء المهيب فى طنطا الذى أقيم عند وفاة صديقه حسين باشا القصبى زعيم الطرق الصوفية وحضره جميع باشاوات مصر ورجالات عائلاتها الكبيرة" لملوم وسراج الدين والبدراوى عاشور، وكان على رأس القراء الشيخ محمد رفعت الذى أعطى الفرصة لوالدى للقراءة، حيث تجاوب معه الجميع لمدة ساعة ونصف، وبعدها أسدى رفعت له نصيحته لكى يكون أعظم من قرأ القرآن فى مصر، فهو كما سمعه صاحب مدرسة جديدة ولم يقلد أحدا من قبله إلى جانب عذوبة الصوت، نصحه الشيخ رفعت بالدراسة الطويلة على شيخ كبير من مشايخ المسجد الأحمدى، ولا أدرى إذا ما كان الوالد قد أخذ فى حياته بتلك النصيحة..
سيرة حياة الأب فيها ما فيها من الحظ المواتى والأسرة الحانية والزوجة الواعية والمنافسين القساة.. فيها حياة منعمة إرثا من الجد الذى كان يمتلك مئات الأفدنة وإن بددها الكرم الحاتمى، لكن ظل هناك ما يكفى لحياة مستورة، فكان الطالب الوحيد فى المعهد الدينى بطنطا الذى يرتدى العمامة والجبة والقفطان بينما بقية الطلاب لا يرتدون سوى الجلباب، وكان جدى يرسل له صينية حافلة للغداء والعشاء إذا ما ذهب للقراءة فى مناسبة أو لدى أحد، وعنذما توالت الدعوات للقراءة فى طنطا والبلاد المحيطة امتلك والدى العربة الباكار، وقام بتأجير غرفة فى بنسيون تملكه يونانية وكأن ما فعله هو الطامة الكبرى فقد وشى به أحد الأصدقاء إلى جده بأنه يسكن عند واحدة خواجاية، فأقسم الجد أن يلقنه درسا بعصاه لا ينساه، وعندما رأى والدى وهو فى السادسة عشرة ثورة الجد أخرج له ليريه تسعين جنيها كانت فى حوزته من ثمار قراءاته طالبا منه أن يشترى له أرضا، ومن يومها أصبحت قراءاته موردا جلب له من بعدها فيللا يسكنها فى الزمالك فى 6 شارع كلومبارونى اشتراها فى يونيه 1963 من إرسالية افريقيا الوسطى ثمنها 7 آلاف جنيه، وكانت إقامته قبلها فى حجرة فندق شبرد بمبلغ 4 جنيهات فى الليلة عندما يأتى للقراءة بالقاهرة، ومن فرط أناقته أطلق عليه الشيخ الشعراوى لقب "مانيكان المشايخ" وكان والدى يستشهد دائما بقوله تعالى "وأما بنعمة ربك فحدث" وكان اهتمامه بالغا بأثاث بيتنا، ينتقيه بتروٍ ومزاج رفيع، فكانت غرفة نومه من خشب الورد المطعم بالأويما المذهبة "كان ثمنها فى عام 1966 بما يعادل ثلاثة آلاف جنيه، وكان دائم القول: أنا لا أضيق على نفسى أو على أولادى، فكل ما أكسبه أنفقه مع الادخار للزمن، لأن الادخار أيضا انفاق، ولكنه انفاق مؤجل، لفترة مقبلة..
وأذكر أنه رفض وجهة نظر الكاتب أنيس منصور عند ظهوره فى برنامج "أهلا وسهلا" الذى تقدمه المذيعة أمانى ناشد ويعده أنيس منصور، حيث طلب منه أنيس القول بأنه تربى فى بيئة فقيرة وأن كفاحه كان مريرا لإثبات وجوده وأن ما به من نعمة فقد جاء من بعد جوع، فما أن بدأ التسجيل وسألت أمانى الوالد عن بداية المشوار حتى فاجأها بقوله: "الحمد لله فقد أنعم الله علىّ بالخير الوفير منذ نعومة أظافرى وبداية حياتى مع القرآن، وما عندى مشكلة من أى نوع ولا فى أى وقت، ولكن الأستاذ أنيس هو الذى يريد إغراقى فى المشاكل".. وتطلعنى سامية مصطفى اسماعيل بين أوراق الراحل الغالى عن أعجب إقرار من نوعه قد تم تسجيله فى الشهر العقارى وحكايته أن السيد أبواليزيد يوسف عضو مجلس الأمة بطنطا أحد المعجبين العتاة بصوت الشيخ إلى حد ملازمته فى غالبية جولاته واحتفاظه بجميع تسجيلاته اتفق مع الشيخ مصطفى على أن يحيى له ليلة مأتمه عندما يموت وأخذ عليه إقرارا كتابيا بذلك، وكتب الشيخ مصطفى ذلك الإقرار على ورقة تحمل عنوان الجمهورية العربية المتحدة مجلس الأمة الإقرار التالى: أقر أنا المقرئ مصطفى اسماعيل أنه إذا قدرت لى الحياة وتوفى أبواليزيد يوسف عضو مجلس الأمة فى نفس الوقت أن أقرأ فى سهرة الوفاة مجانا طوال الليل بدون مصاريف انتقال، وبعدها ذيّل الإقرار ذى النسختين بتوقيعه مصطفى اسماعيل والتاريخ 27/ 10/ 1966..
وتروى سامية عن سفرياته الكثيرة التى التقى فيها بمواقف لها طرافتها خاصة عندما تكون معانى الكلمات مختلفة، بينما اللغة العربية واحدة.. كان والدى يضحك طويلا عندما يحكى لنا عن رحلته إلى سوريا للتلاوة عند أحد الأثرياء هناك فبينما كان جالسا مع العائلة بعد الظهر دنا منه أحدهم قائلا بهمس: يا فضيلة الشيخ لو سمحت تعال معى.. وذهب الشيخ مع الرجل الذى أدخله حجرة ترقد فيها سيدة تئن على فراش المرض فلما رأته سارعت تقول له بلهفة: "دعكنى يا شيخ مصطفى؟" ويقول الوالد الشيخ: ارتبكت عند سماع قولها وأحمر وجههى من شدة الخجل، ولم أدر كيف أتصرف، وابتعدت عن الفراش بعد أن كنت قد دنوت منه قليلا، ولم أجد كلمة واحدة أقولها ردا على طلب المريضة، حتى أدرك الرجل الذى قادنى إليها ما هنالك فابتسم قائلا: يا شيخ مصطفى. إن السيدة تقصد أن تتفضل بقراءة رقية لها لعل الله يشفيها، واختار والدى الرقية المناسبة بعدما استوعب اختلاف المعانى للفظة واحدة فى نفس اللغة..
وكان يومه الأخير معنا فى الجمعة 22 ديسمبر 1978 عندما ودعنا فى التاسعة صباحا متجها إلى دمياط للقراءة فى افتتاح جامع البحر، وفى طريق العودة عند المفترق بين طنطا والمحلة الكبرى طلب من محرم السائق التوجه إلى الاسكندرية إلى بيتنا فى حى رشدى.. وعندما وصل عاد ليطلب منه تغطية السيارة وهو ما لم يفعله من قبل، ولما أبدى السائق دهشته أجابه بالحرف الواحد: "خلاص يا ابنى أنا مش طالع تانى".. ولم يكن من السهل تحقيق أمنيته فى دفنه بمنزله إلا بعد الحصول على تصريح خاص، فعندما علم السادات بأمر الأمنية والوصية أشار على سكرتيره فوزى عبدالحافظ بتنفيذها، وبينما كان الجثمان الطاهر قادما من المستشفى بالاسكندرية فى 26 ديسمبر كان قد تم تجهيز القبر فى حديقة بيتنا فى ميت غزال.
فى دوامة السنوات المسروقة من العمر بين أسمنت جدران الصحافة وأنفاس أجهزة التكييف المزمنة وتنافسات السبق الصحفى وانحسارات ملوك المهنة، وبراثن غول المطبعة التى تبتلع الجهد والتاريخ والنجاحات، وتدفن النسور وتأتى بالقشور، كنت أنتزع نفسى من غيبوبة العمل لزيارات خاطفة لوالدى وهو لم يزل على قيد الحياة، لأجده فى رقدته الطويلة الصامدة الكامدة يضع جهاز الراديو الترانزستور على وسادته يُديره بأصابع يد مرتعشة لمحطته المفضلة بجوار أذنه الطليقة مُنصتا ليل نهار للقرآن الكريم مُرتلا بصوت الشيخ مصطفى اسماعيل.. يؤانسه يصادقه يحنو عليه يهدئ من آلامه يهدهد مخاوفه ينأى بعيدا بالذكريات الحزينة، يروى له قصص قرآنه، يشغل خاطره بمعجزات رسله، يعلمه أن الدين يسر وأن الله رفيق يحب الرفق، ويضىء ظلمته بسورة النور ويصحبه لمشاهدة جنات النعيم..
واحتفظت براديو والدى إرثا مكرما، فقد كان بستانا للقاءاته الحميمة مع صاحب الصوت الخالد.. وأزور الابن المهندس عاطف مصطفى اسماعيل فيهدينى من تلاوات والده التى احتلت 53069 ساعة تسجيلا نادرا لسورة الفاتحة ليتاح لى السباحة الحرة فى ملكوت الله مع الصوت البلاتينى، فأنت معه أثيرى بلا جسد تعلو لعنان السماء، وتطوف فى بواكير الفجر، وتصنع من السحاب باقة عُرس، وتسكن داخل زهرة، وتترك العنان لجياد الموج، وترقد فوق السندس الأخضر..
يأخذك صوت من لا مثيل له فى رحلة التحليق: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إلى.. إلى.. إلى... "إيّاك نعبد".. يرددها كما يعِّن له ولها أن تتكثف على طبلة الأذن عشرات مئات آلاف المرات، فى كل مرة لها وقع ولحن ورِتم وشجو وشجن ونغم وقصر وقصد ومد وعلو وارتفاع وابتهال وسؤال وبوصلة للتائه وخُلاصة المطاف.. إياّك نعبد.. سورة الفاتحة التى تتمتم بها فى ثوان للارتباط والعزاء وطلب الرحمة والاستعانة وزوال الرهبة وطرد الأبالسة وبداية المشوار ومستهل الأمور لها فى كنوز مصطفى اسماعيل منزلة الصدارة والإمارة والمركز واللقاء والوداع والخلاصة.. إياّك نعبد.. الله يفتح عليك يا سيدنا الشيخ... ولقد فتح الله له وعليه..
التعليقات