بينما ينشغل العالم بمتابعة الانهيارات المتتالية في هيكل النظام الإيراني، وتفكك أذرعه من "كراكاس" إلى "بيروت"، برزت إلى السطح معركة صامتة وأكثر خطورة. إنها معركة "الشرق الأوسط ما بعد إيران"، حيث يسارع بنيامين نتنياهو لفرض "المحور السداسي" (إسرائيل، الهند، اليونان، قبرص، مع توقع انضمام دول أخرى) كبديل أمني واقتصادي، في مواجهة شبح يطارد الاستراتيجية الإسرائيلية: "المحور السني الرباعي".
أولاً: كابوس إسرائيل.. "الكتلة السنية الصلبة" وقدراتها
تدرك الدوائر الأمنية في تل أبيب أن زوال التهديد الإيراني قد يرفع "الغطاء" الذي كان يجمع إسرائيل ببعض الدول العربية تحت لافتة "العدو المشترك". التخوف الإسرائيلي يكمن في تشكل محور يضم (باكستان، مصر، السعودية، تركيا)، وهو محور يمتلك عناصر "الدولة العظمى" إذا ما اكتمل تنسيقه:
باكستان (العمق النووي): هي الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تملك "القنبلة". إسرائيل تخشى أن يوفر الجيش الباكستاني مظلة ردع نووية لهذا المحور، مما ينهي "التفرد النووي" الإسرائيلي في المنطقة.
مصر (القلب العسكري): تمتلك أقوى جيش في المنطقة من حيث العدد والعتاد التقليدي، وسيطرة كاملة على قناة السويس. تخشى إسرائيل من استعادة القاهرة لدورها القيادي التاريخي بعيداً عن القيود الاقتصادية.
السعودية (شريان الحياة): هي التي تتحكم في "محابس الطاقة" والسيولة المالية العالمية. قدرة الرياض على استخدام سلاح النفط والاستثمار تجعلها المحرك المالي لأي تحرك عسكري أو سياسي لهذا المحور.
تركيا (القوة الصناعية والجيوسياسية): عضو الناتو الذي يمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، وصناعة عسكرية متطورة (المسيرات والصواريخ). تركيا تمثل الجسر الذي يربط المحور بأوروبا وآسيا الوسطى.وهذا ما يثير فزع إسرائيل وعبر عنه نفتالي بينيت في تصريحه الأخير بأن تركيا هي ايران الجديدة.في إشارة إلى عزم اسرائيل التخلص من تركيا وإضعاف المحور السني الذي يتشكل بقيادة مصر.
ثانياً: التهديدات التي يشكلها المحور السني على "رؤية نتنياهو"
يرى نتنياهو أن "المحور السداسي" (مع الهند واليونان) هو وسيلة لالتفاف إسرائيل على الجغرافيا العربية. لكن المحور السني يشكل تهديدات مباشرة لهذا المشروع:
تهديد الممرات البديلة: مشروع الممر الهندي-الأوروبي (IMEC) الذي تدعمه إسرائيل، يعتمد على استقرار المنطقة. أي تنسيق (سعودي-مصري-تركي) يمكنه خنق هذا الممر أو فرض شروط قاسية عليه عبر التحكم في الممرات البحرية (البحر الأحمر والمتوسط).
عزل الهند إقليمياً: إذا تكتلت هذه القوى السنية، فستجد الهند نفسها معزولة في محيط إسلامي معادٍ، مما يهدد مصالحها الاقتصادية مع دول الخليج.
ثالثاً: استراتيجية "الإشغال بالوكالة" فخ الحدود الباكستانية
هنا نصل إلى النقطة المحورية في تحليل أحداث أمس؛ الانفجار العسكري على الحدود الأفغانية الباكستانية. ترى التحليلات أن دفع كابول (طالبان) للاصطدام بإسلام أباد هو "صناعة استخباراتية" تهدف لـ:
استنزاف باكستان: إشغال الجيش الباكستاني والقدرات النووية في حرب عصابات وحدودية طويلة، تمنعه من الالتفات لبناء المحور السني مع مصر وتركيا.
خدمة الهند: السماح للهند بالتدخل كـ "قوة استقرار" ودعم أفغانستان عسكرياً بالخفاء، لضرب العمق الباكستاني وتدمير حلم "المحور السني" من أطرافه الشرقية.
مجمل القول من "كراكاس" إلى كابول
إن الاتفاقيات التي تمت خلال زيارة الوفود الفنزويلية الجديدة لإسرائيل (بعد سقوط مادورو حليف إيران) تؤكد أن واشنطن وتل أبيب تعملان على "تنظيف الخريطة" من أي جيوب موالية لمحاور معادية.
لكن التحدي الحقيقي لنتنياهو ليس في "المحور الشيعي" الذي يلفظ أنفاسه، بل في منع "المارد السني" من الاستيقاظ. لذا، ستظل الجبهة الأفغانية-الباكستانية مشتعلة، وستظل الضغوط الاقتصادية على مصر وتركيا مستمرة، لمنع تلاقي هذه القوى الأربع في تحالف ينهي الهيمنة التي يسعى "المحور السداسي" لفرضها.
التعليقات