لا شك بأن العالم الافتراضي قد أصبح جزءا لا يتجزأ من حياتنا. لقد أصبح ذلك العالم الرقمي متغلغلًا في كل المجالات، حتى بات هو المحرك لعلاقاتنا الاجتماعية. استطاعت الشبكات الاجتماعية أن تستولي على أهم جزء يميزنا وهو التواصل الانساني. أوهمتنا الخوارزميات أنها ستمكننا بسهولة من التواصل افتراضيا دون عناء، فإذ بها تسلبنا دفء التواصل الإنساني. وقد توقعنا من تلك المنصات أنها ستقربنا من البعيد، فإذ بها تبعدنا عن القريب. ويبدو أن الصغار والكبار قد وجدوا في الفضاء الرقمي ما كانوا يتطلعون إليه سابقًا من صناعة عوالم خاصة بهم للهروب من الواقع المحبط، لكنهم في حقيقة الأمر دخلوا كهوفا مظلمة عزلتهم عن الحياة الحقيقية. إنه الفخ الجميل بأن تتوهم أن العالم بين يديك، لكن في الحقيقة تزداد عزلتك!
يبدو أن الأمر أصبح عاديًا، فقلما تجد أحدًا يبالي بالخطورة الشديدة للمنصات الرقمية خاصة فيما يتعلق بالانتهاك الصارخ لخصوصية المستخدم. إن الأمر تجاوز مسألة عرض الصور الخاصة أو البيانات الشخصية. استطاع أقطاب التكنولوجيا في العالم أن يجعلوا من الخوارزميات وحوشا تتغذي على بياناتنا الرقمية ومعلوماتنا الشخصية للاتجار بها وتحقيق الأرباح. برعت شبكات التواصل في استغلال الهندسة الاجتماعية والاعتماد العلمي المدروس على البحوث النفسية لجذب المستخدم وتحويله إلى سلعة. لقد صُممت الخوارزميات لتصنع لكل واحد عالمه الشخصي الذي يشبهه، حتى الإعلانات الدعائية ستجد أنها مناسبة تمامًا لما تبحث عنه أو ربما تفكر فيه، بل صارت الخوارزميات تصنع قراراتنا أو تتحكم فيها. لقد انهار الجدار الفاصل بين الواقع المادي والواقع الافتراضي، فهناك من دخل الكهف وهناك من رضي بأن يكون سلعة.
هذا هو الواقع المحزن، أصبح أكثرنا الآن يعيش في كهوف رقمية يتقوقع فيها لأنها منعزلة ومريحة وربما مثالية، كما يسهُل التحكم فيها بعيدًا عن متاعب العالم الحقيقي. لعلنا في العالم العربي ما زلنا لا ندرك خطورة تلك التغيرات التي تهدد أجيالا من الصغار والمراهقين بل والأسرة بأكملها. لا توجد وقفات جادة في مجتمعاتنا لعلاج مختلف المشكلات التي سببتها الشبكات الاجتماعية أو الفضاء الرقمي بوجهٍ عام. لقد رأينا الحكومات في أوروبا واستراليا كيف سارعت إلى اتخاذ مواقف جادة وحازمة لحماية الأسرة والمجتمع من أخطار الشبكات الاجتماعية وضبط العالم الافتراضي. تسعى تلك المجتمعات المتحضرة إلى تقنين الشبكات الاجتماعية باستخدام التصنيف العمري، بالإضافة إلى عدد من الضوابط الأخرى بحسب حالة كل دولة.
متى ستُفعل الدول العربية أدوارها التشريعية والتنظيمية لحماية شعوبها؟ لماذا لا ندرس تلك التجارب العالمية ونرى ما يمكن أن نطبقه منها. نحتاج أن نهدم تلك الكهوف قبل أن تبتلع أجيالا بأكملها، وننشر الوعي بكيفية التعامل مع العالم الافتراضي، ونُحصن مجتمعاتنا من تلك الأخطار والأضرار. إن الأوقات الثمينة تضيع يوميًا خلف الشاشات، وبدأ الإدمان الرقمي يطرق أبواب الأجيال الصغيرة مبكرًا جدًا. ولعلنا لاحظنا في الآونة الاخيرة تحديدا الشكاوى المستمرة من زيادة الاضطرابات النفسية وانهيار الروابط الاجتماعية، والانتشار المزعج للمعلومات المضللة والأخبار الزائفة، فمتى سنتحرك إذًا؟!
بـاحث في التــاريخ والتـراث
التعليقات