لكل شعب من الشعوب حول العالم مجموعات متنوعة من التراث الوثائقي بمختلف أنواعه السمعي والبصري والمكتوب وأي صيغة أخرى موجودة. إن التراث الوثائقي هو جزء لا يتجزأ من التراث الثقافي للإنسانية. يُعد ذلك التراث الوثائقي كنزًا عظيمًا يحفظ ذاكرة الشعوب، لذا كان من الضروري جدًا الحفاظ عليه وصونه لمنع فقده بسبب عوامل بشرية أو كوارث طبيعية. استطاعت منظمة اليونسكو أن تلفت انتباه الدول لأهمية التراث الوثائقي حينما أطلقت برنامج "ذاكرة العالم" عام 1992 للحفاظ على التراث الوثائقي للشعوب. لقد كان ذلك البرنامج مُعبرًا عن حالة القلق المتزايدة حول وضع حفظ التراث الوثائقي العالمي.
إن الأرشيف الوثائقي حول العالم يواجه مخاطر جمة وخاصة في مناطق الصراع أو في البلدان النامية بوجه عام. ومما يدعو للأسى ما تتعرض له المحفوظات الوثائقية من أخطار كالحروب والفيضانات والحرائق والتي دمرت الكثير من تلك السجلات. استطاعت اليونسكو أن تدرج مئات المجموعات الوثائقية بتعاون واسع النطاق مع الدول الأعضاء في المنظمة. وقد سارعت الدول للمشاركة في ترشيح مجموعاتها الوثائقية بصورة لافتة. إن هذا إن دل على شيء فإنما يدل على زيادة الوعي بالتراث الوثائقي والتعامُل الإيجابي من قبل كثير من الدول لحماية تراثها الوثائقي من الفقدان، فضلًا عن تيسير الوصول إلى التراث الوثائقي والمساعدة على تداوله. ولا شك بأن الدول سواء على مستوى الحكومات أو الأفراد بدأت تُقدر كل الجهود التي تساهم في حماية الذاكرة الجماعية للشعوب.
حتى الآن لا يزال نصيب العالم العربي من الأرشيف المسجل في ذلك البرنامج قليلًا جدًا. نذكر منه على سبيل المثال لا الحصر: أرشيف القمة الأولى لحركة دول عدم الانحياز والذي رشحته عدة دول من بينها مصر والجزائر، وكتاب القانون في الطب: كتاب الأحكام الطبية الذي رشحته الجزائر، والنقوش المسمارية لملوك دلمون والذي رشحته البحرين. ولعلنا في هذا العصر الرقمي نجد أنفسنا أمام فرصة ثمينة لرقمنة التراث الوثائقي بصورة سريعة ودقيقة. لا جدال بأنه ينبغي للعالم العربي أن يستثمر تلك الفرص التقنية، ويحاول قدر الإمكان الاستفادة منها في الحفاظ على تراثه الوثائقي.
وفي حقيقة الأمر فإننا في العالم العربي نسير بخطوات بطيئة نوعًا ما في ذلك الموضوع، ولا أريد أن أستطرد في ذكر أسباب ذلك البطء والذي يأتي في مقدمتها التكلفة العالية، لكن من الممكن أن ننظر نظرة تفاؤلية للمستقبل ونستلهم من تجارب الدول حولنا في مجال حفظ التراث. كان من نجاحات برنامج "ذاكرة العالم" التي ينبغي الإشادة بها ما حققه البرنامج في بعض الدول الإفريقية بوجه خاص. لا يخفى على أحد ما تعانيه قارة إفريقيا من الحروب الأهلية والصراعات القبلية والأوبئة والأثار الحادة للتغيرات المناخية، ومع ذلك ساعدت اليونسكو بقدر كبير دول متعددة في القارة السمراء من بينها مالي وساحل العاج في حفظ الأرشيف المُعرض للضياع بالإضافة إلى دعم مكتباتهم ومتاحفهم.
لابد لنا في عالمنا العربي أن نسارع إلى رقمنة التراث الوثائقي وإتاحته على الإنترنت ليكون في متناول الجميع دون تعريض الوثائق الأصلية لخطر الضياع أو التلف. تستطيع الدول العربية أن تُشكل لجانًا خاصة للتعاون مع اليونسكو في هذا الصدد للاستفادة من خبراتها وتجاربها حول العالم، كما ينبغي لجامعة الدول العربية أن يكون لها دورا فعالا في تسريع رقمنة وحفظ التراث الوثائقي العربي. وخلاصة القول فإن التراث الوثائقي العربي المسجل في "ذاكرة العالم" لا يزال قليلًا جدًا ولا يليق بحجم وطننا العربي الكبير صاحب الحضارة العريقة، لكن الفرصة لا تزال سانحة للعمل الجاد على إبراز كنوزنا الوثائقية التي تستحق الرعاية والحماية.
بـاحث في التــاريخ والتـراث
التعليقات