تُعد مدينة جدة في المملكة العربية السعودية إحدى أهم المدن العربية ذات التاريخ العريق، فهي لؤلؤة مطلة على ساحل البحر الأحمر تجمع بين تراث الماضي الأصيل وتقدم الحاضر وازدهاره. وقد وضعت المملكة على عاتقها تطوير منطقة جدة التاريخية وتراثها الثري، ولذلك تُواصل الجهود لجعل منطقة جدة التاريخية معلمًا عالميًا بارزًا يليق بمكانتها في قائمة التراث العالمي. تجلت مظاهر الاهتمام بجدة التاريخية مؤخرًا بافتتاح متحف البحر الأحمر داخل مبنى "باب البنط" الساحلي التاريخي بحضور عدد من الأمراء والوزراء، ومجموعة من الشخصيات المهتمة بالثقافة.
لقد كان ذلك الافتتاح بلا شك حدثًا ثقافيًا بارزًا. استطاعت المملكة أن تقدم متحفًا جديدًا للحضارة الانسانية يروي تاريخ البحر الأحمر ودوره الحيوي عبر العصور. ينطلق ذلك المتحف الوليد ليشكل مساحة للإبداع، ومنصة ثقافية لتعزيز الحوار بين الحضارات المختلفة. ولا بد من الإشادة بموقع اختيار المتحف داخل مبنى باب البنط، فالموقع بحد ذاته يحكي تاريخًا طويلًا، إذ كان نقطة التقاء بين البر والبحر. وبما أن الموقع كان في السابق بوابة عبور لحركة التجارة وقوافل الحجاج، فقد أضحى اليوم بوابة ثقافية تحكي قصصًا للأجيال القادمة.
لا أستطيع أن أخفي أعجابي بالمشروع وخاصة عندما علمت أن المبنى قد شهد إعادة تأهيل على أعلى مستوى لتتناسب مع سيناريو العرض المتحفي، بالإضافة إلى أن المملكة أعلنت أنها طبقت أعلى معايير الاستدامة في ترميم ذلك المبني التاريخي العتيق حفاظًا على أصالته المعمارية وبنيته التراثية المتميزة. أتوقع أن يُقدّم المتحف تجربة استثنائية للزوار خاصة عندما أُعلن أنه يضم آلاف القطع المتنوعة داخل عدد كبير من قاعات العرض والتي تتنوع بين أدوات ملاحية قديمة ومخطوطات تاريخية نادرة وصور أرشيفية توثق عالم البحر الأحمر الغني بالمغامرات والحكايات. سيأخذ المتحف الزوار في رحلة عبر الزمن لاستكشاف قصص التجارة والهجرة والثقافات المختلفة التي مرت على البحر الأحمر، بالإضافة إلى تسليط الضوء على دور جدة التاريخي كمركز لتبادل الثقافات وما شهدته من تطور اجتماعي واقتصادي نتيجة ذلك التفاعل الحضاري.
أثبتت الملكة العربية السعودية أن الثقافة لها دور مهم جدا في رؤيتها الطموحة للمستقبل سواء من خلال ذلك المتحف أو غيره من المشروعات الثقافية. عززت المملكة من حضورها على الساحة الثقافية باتخاذ خطوات عملية ملموسة من خلال صون الإرث الطبيعي والثقافي لها، والعمل الجاد على إحياء تراثها الوطني بطريقة علمية تحافظ على الهوية التاريخية للأماكن. لا ريب أننا في العالم العربي في حاجة ماسة إلى الاهتمام المستمر بتنفيذ مشروعات ثقافية تبرز أصالتنا ودورنا التاريخي كمنارة للإبداع والإشعاع الحضاري، وتُبين قدرتنا على التأثير الفعال في قيادة المشهد الثقافي على الساحة الدولية.
بـاحث في التــاريخ والتـراث
التعليقات