يُعد الإمبراطور ماركوس أوريليوس Marcus Aurelius أحد أهم الأباطرة الرومان الذين تميز عهدهم بالإصلاح والتنمية والاهتمام بحياة الناس. كان ماركوس هو آخر الأباطرة في العصر الذي يُطلَق عليه عصر "السلام الروماني" Pax Romana، وهو العصر الذي شهد قدرًا كبيرًا من السلام النسبي وحالة من الهدوء والاستقرار في الإمبراطورية الرومانية.
وُلِد ماركوس في روما عام 121 م، وكحال أفراد الطبقة العليا في المجتمع الروماني فقد تعلم القراءة والكتابة، كما تدرب على الفروسية والمصارعة والقتال بالسيوف والدروع.كانت إحدى نقاط التحول في حياته عندما بدأ يحب الفلسفة كنتيجة لتأثره بأحد معلميه. أُعجب ماركوس بأسلوب الفلاسفة وطريقتهم في التفكير لدرجة أنه حاول تقليد الفلاسفة في زيهم وعاداتهم وملابسهم اليونانية البسيطة مما ضايق والدته من تلك التصرفات. وعندما أصبح شابًا يافعًا بدأ الانخراط في العمل السياسي والعمل داخل البلاط الامبراطوري. ومن هنا كانت نقطة التحول الأخرى في حياته إذ وجد أن السياسة مليئة بالدسائس والمؤامرات، بالإضافة إلى صعوبة التوفيق بين حياة البلاط والتعمق في دراساته الفلسفية.
لقد اصطدم ماركوس بالواقع عندما علم أنه لن يستطيع أن يُصلح الحياة السياسية ويجعلها عالمًا مثاليًا كما كان يطمح. راح ماركوس ينتقد نفسه لعجزه عن تحقيق طموحاته على الرغم من إخلاصه في عمله الإداري واحترامه لجلسات مجلس الشيوخ ولأعضائه. كانت الحشود تحب بلاغته وفصاحته وحماسته في الخطابة أمام أعضاء مجلس الشيوخ، فضلًا عن حبه للخير ومساعدة المواطنين الرومان. على الجانب الآخر كان ماركوس حزينا وكثير الشكوى لمعلميه بسبب انشغاله بالسياسة وضياع حلمه في التفرغ للفلسفة. وبمرور الأيام راح ماركوس يترقي في المناصب لكن صحته كانت تتأثر بذلك المجهود الذهني والبدني، وقد سجلت لنا المصادر التاريخية شكواه لمعلميه من الألم والتعب الشديد. وعندما تزوج عام 145 م، لم يشغله الزواج عن عمله السياسي أو تطلعاته الفلسفية.
كان الإمبراطور أنطونيوس بيوس Antoninus Pius من المحبين والمعجبين بماركوس وتفانيه وإخلاصه في عمله لدرجة أنه كان يعامله كابن له وأوصى له بالعرش من بعده. وبعد وفاة الإمبراطور أنطونيوس عام 161 م أصبح ماركوس الحاكم الوحيد للإمبراطورية الرومانية، وسرعان ما منحه مجلس الشيوخ اللقب الإمبراطوري ولقب الكاهن الأعظم. لقد ذكر المؤرخون أن ماركوس لم يكن سعيدًا بذلك المنصب، وأنه شعر أنه تورط فجأة ووجد نفسه يتسلم السلطة الإمبراطورية. ربما كان ماركوس يخشى أن تُغيره السلطة بما فيها من وشايات ودسائس ومؤامرات، وربما يضطر إلى الانغماس في السياسة وكل ما فيها من أمور قد لا تتفق مع أفكاره. لكن ماركوس لم يكن بالشخص الذي يهرب من مواجهة المواقف ولعله رأى أن هذا واجبه تجاه الشعب الروماني.
بدأ الإمبراطور ماركوس عهده بإصلاح العملة الرومانية وضبط الاقتصاد وحالة الأسواق، كما اختار عدد من الرجال الأكفاء في المناصب المدنية والعسكرية. عندما حدث فيضان كبير أغرق عددا من الأراضي في روما وحدثت مجاعة، خرج ماركوس بنفسه لمواساة الناس والاستماع لشكواهم ورتب احتياجاتهم من الحبوب. هكذا أثبت ماركوس أوريليوس أنه ليس بعيدًا عن الناس ومشكلاتهم. ولا نريد الاستطراد في حروبه التي كان أكثرها مع القبائل الجرمانية التي هددت الإمبراطورية بشدة خاصة على جبهتي الراين والدانوب، لنسلط الضوء أكثر عن حياته الإنسانية وأفكاره. من الجوانب التي أشاد بها كُتاب عصره هو اهتمامه بالقانون وتحقيق العدالة وإصلاح القضاء. كان ماركوس يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في الاهتمام بالتشريعات والعمل على تطبيقها دون محاباة. لقد ركز ماركوس أوريليوس اهتمامه على معالجة أوضاع العبيد وإيجاد حلول لرعاية الأيتام. وعلى الرغم من سلطاته المطلقة كامبراطور إلا أنه استمر في احترام أعضاء مجلس الشيوخ كما كان يفعل في السابق، وكان يحرص على الاجتماع بهم واستشارتهم في القضايا الحيوية.
استطاع ماركوس أن يكون إمبراطورا حكيما يجمع بين القوة واللين. لقد حاول ماركوس أن يوفق بين المبادىء التي يؤمن بها وبين أعباء السياسة، لذلك يستحق وصف البعض له بأنه صاحب ضمير حي. أوصى ماركوس أوريليوس بالعرش لابنه كومودوس Commodus. لم يكن كومودوس يشبه والده في أي شيء، حيث كان يفتقر إلى الفطنة والمقدرة السياسية والعسكرية ولا يعبأ بمشكلات الناس ولا يهتم بشيء سوى نزواته.
بـاحث في التــاريخ والتـراث
التعليقات