بدأت وسائل الاتصال اللاسلكية بهواتف أرضية يتواصل الناس عن طريقها. وأصبحت البيوت تحتوى على جهاز ثابت تفنن البعض في اختيار لونه وتخصيص مكان مميز له بحامل وكرسي مريح تحسبا لساعات طويلة من المحادثات للعائلة والأصدقاء. ثم تطور الأمر وظهرت الهواتف النقالة اللاسلكية ثم المحمولة التي تغذيها شبكات اتصالات واسعة التغطية.
اقتصر الأمر في البداية على نخبة مختارة من أصحاب الأعمال والأثرياء ثم بين عشية وضحاها أصبحت بين أيدي الناس جميعا على اختلاف أعمارهم ومناحي حياتهم.
وسرعان ما ظهرت التطبيقات التي تخدم هذا الزخم وغزت وسائل التواصل الاجتماعي كل البيوت على استحياء وترقب في البداية ثم رويدا رويدا فرضت وجودا يوميا لا فكاك منه.
رحب الناس بها فكم من صديق اجتمع بصديقه بعدما انقطعت بهما السبل وفرقتهما الحياة وجمعهما الفيسبوك. وتعددت التطبيقات وتنوعت الخدمات التي تقدمها.
لم يعد الأمر مقتصرا على المكالمات بل تبادل الصور والتعليق عليها والتعريف بمن فيها ومشاركة اللحظات الحية.
شاهدت مؤخرا دراما وثائقية باسم (معضلة وسائل التواصل الاجتماعي).
يناقش الفيلم وسائل التواصل وما لها وما عليها ويدق ناقوس الخطر لأن جيلا كاملا أصبح لا يفارق هاتفه ليل نهار وتحول الأمر من التواصل للتباعد ومن الاستفادة للإدمان.
انتج في عام 2020 واليوم ونحن في مستهل 2026 حيث بات الأمر أكثر خطورة. تحول العالم لقرية صغيرة بل لغرفة مغلقة.
لا ينكر الوثائقي الفوائد العائدة من هذه التطبيقات على الفرد والمجتمع من نشر التوعية والمعلومات والتقارب بين الشعوب وتسهيل التعلم عن بعد وإدارة الأعمال.
لكنه يصرخ محذرا مما آل إليه الأمر مع الأجيال الناشئة التي تحول استخدامها لإدمان لا فكاك منه وتحولوا بدورهم لقطعان تم استقطابها من قبل الشركات الكبرى المستفيدة من وجودهم المستمر(أونلاين) على مدار اليوم!
تقدم خدمات فيسبوك وتويتر وإنستاجرام وبينترست وجوجل وغيرها مجانا للمستخدمين الذين ما هم إلا سلعة في حد ذاتهم بالنسبة للشركات التي تحقق أرباحا طائلة من الإعلانات التي تستهدفهم.
تتنافس الشركات على بقائهم أونلاين على مدار الساعات بل والأيام. يدفعون مبالغ طائلة لمجرد الحصول على انتباه وتفاعل المشاهدين الذين هم نحن وأبناؤنا وأصدقاؤنا وأفراد مجتمعنا الصغير والكبير.
يتناول الفيلم تحديدا تأثير تلك التطبيقات المختلفة على الأجيال الصاعدة من مواليد أواخر التسعينات تحديدا أو ما أسموه (جيل زد).
باتت الهواتف النقالة جزءا لا يتجزأ من تكوين اليدين. نبتت كما لو كانت إصبعا زائدا لا يمكن بتره.
وانتشرت صنعة جديدة لمن لا صنعة لها اسمها صناعة المحتوى وأصبح كل من هب ويدب يدلو بدلوه في كل الموضوعات العامة والخاصة والفكرية والاجتماعية والمالية بل وحتى الطبية.
تتعرض الأجيال لعملية ممنهجة من إعادة تشكيل الوعي سلبا وإيجابا. تتحكم في طريقة التفكير والهوية وتفاصيل الحياة.
أصبح الناس يتباهون بمشاركة صورهم وملابسهم ومقتنياتهم فما عليهم إلا نشر صورة ومعها بيان مفصل لكل ما يريدون قوله.
تنهال الإشعارات من بين صورة وتعليق وخبر ومنشور جديد ويجد المستخدمون أنفسهم في سباق محموم للمشاركة والظهور والتفاعل.
وتمر الساعة تلو الساعة ويستمر العداد في حساب الدقائق التي يمضيها الأشخاص على هواتفهم مشدوهين داخل التطبيقات المختلفة يتنقلون بين وسيلة تواصل وأخرى حتى أصبح أفراد الأسرة الواحدة يلتقون عبر تطبيق الواتساب بينما يفصلهما جدار غرفة واحدة لا غير!
أٌحكم الحصار حول الفرائس واحتدم صراع خفي. وليست الكلمات من باب البلاغة أو الأدب بل هي واقع مرير وتعبير صادق صادم للمشهد. ومن خلف الشاشات عقول لا تفكر إلا في الربح وفي برمجة العقول.
عزيزي مستخدم فيسبوك وإخوته اعلم أنك عندما تدخل وتسجل حضورك أونلاين فأنت تحت المراقبة فهناك من يتتبع اهتماماتك وتعليقاتك ويقيس مدى تفاعلك مع المنشورات ونوعياتها بل وحتى الوقت الذي تقضيه متأملا صورة ما.
مشاعرك خاضعة للسيطرة لذلك لا تتعجب عندما تتلقى إعلانات أو ترشيحات تتوافق مع مزاجك وحالتك النفسية.
لا تتعجب عندما تجد إعلانا عن رحلة سياحية أو مطعم جديد يخرجك مما أنت فيه.
لا تشهق عندما تتحدث مع صديق عن منتج ما ثم تنهال عليك الإعلانات عن متاجر متخصصة تبيعك هذا المنتج أونلاين أو غيره.
وسائل التواصل الاجتماعي- بحسب الوثائقي- قد تحولت إلى إدمان جديد سيطر على عقول الشباب والناشئة بصورة تحتاج للعلاج الفوري قبل فوات الأوان.
أصبح الجيل الحالي يعاني من الكآبة والوحدة والهشاشة النفسية وأمراض القلق والارتباك والاكتئاب والهوس وهجمت عليه أمراض السمنة وقلة الحركة والأمراض النفسية الناتجة عن تخليه عن مفهوم الجماعة والعيش خارج الفقاعة الملوثة التي ابتلعته.
وعند الحديث عن الجمال وتغيير مفاهيمه فحدث ولا حرج وابحث عن المستفيد فستجد شركات مستحضرات التجميل وأطباء عمليات التجميل.
أصبح الجمال يخضع لمعايير غير منطقية بسبب التعديلات التي يدخلها الجميع على الصور فلم يعد أحد قانعا بصورته الطبيعية أو هيئته الأصلية!
هذا الأنف يحتاج لتغيير وتلك الشفاه يجب أن تكون أكثر امتلاء ولا بأس من اختيار لون آخر للعينين وللبشرة! ماذا هذا العبث؟! زادت معدلات الانتحار بسبب تعليقات التنمر وتفشي مشاعر الإحباط واليأس. افترقت الأسر بسبب التحزبات السياسية والفنية وأصبح الناس أكثر جرأة في مهاجمة بعضهم البعض من وراء شاشات تتيح لهم قول ما لا يعجزون عنه وجها لوجه.
يهدف صانعو الوثائقي والذين عملوا لسنوات في صناعة تلك التطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها إلى توعية الناس بالمخاطر التي بدأت في الظهور قبل فوات الأوان.
خرجوا من الكواليس عندما شعروا وأجمعوا أن ثمة خطب ما وأن لابد من العمل على إيجاد تكنولوجيا (إنسانية) تهدف حقا لرفعة الإنسان وتعمل على مصالحه لا تدميره.
يحلمون بتقنيات لا يكون ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب. يسعون من أجل وسائل تحتفظ بهدفها الأسمى وهو رقي الإنسان وتيسير حياته لا تحقيق أجندات وأهداف أخرى لمنتفعين ما أنزل الله بهم من سلطان.
ربما يرى البعض أن الكلام مبالغ فيه وأن الأمر ليس بهذا السوء لكن يكفي أن تطلب من ابنك أو ابنتك الامتناع عن استخدام الهاتف المحمول وقت الغداء مثلا أو راقب سلوكهم عند انقطاع خدمة الإنترنت وسترى غضبا وتوترا وهياجا غير مبرر!
في نهاية الفيلم يوجه من شاركوا في صناعة هذه الفوضى نصائح ويطلبون من المشاهدين عدم الانسياق لهذه الدوامة اللانهائية من الإشعارات والصور البراقة التي تنتزع آدمينا دون أن نشعر.
احذف التطبيقات غير المستخدمة أو التي يمكن الاستعاضة عنها. استعد قدرتك على التحكم فيما تشاهده وما تسمعه وما تضغط عليه أو تحمله للمشاهده.
يجب أن ننشر الوعي ولا نكف عن توجيه الأبناء لمثالب هذه الأجهزة وتلك التطبيقات التي غزت عقول البشر جميعا.
تأكد مما تنشره وما تعيد نشره من أخبار فما أكثر الشائعات والأنباء المغلوطة. حاول ألا تصطحب هاتفك معك داخل غرفة نومك ليلا.
ابقه خارج الغرفة لتنعم بساعات قليلة من الهدوء بعيدا عن الإشعارات والذبذبات. قلل فرص استخدام طفلك للأجهزة المحمولة والإنترنت قدر المستطاع.
اسمح له بساعات محددة لا يتجاوزها ولا تشتر له جهازا إلا عندما يكون على قدر المسئولية.
لا تكف عن الحديث مع أبنائك حتى وإن رفضوا حديثك فيوما ما سيدركون قيمة ما فاتهم من أيام وساعات مع أهل سيلتفتون ليجدوهم قد غادروا الحياة وهم مشغولون عنهم بشاشات مضيئة.
لابد من إرادة جماعية لنسير عكس التيار وكما أدخلناها بأيدينا فنحن قادرون أيضا على مواجهتها بحكمة وصبر.
لنأخذ الصالح ونطرد الطالح. سيبقى البشر دوما أكثر ذكاء وإبداعا من كل أدوات الذكاء الاصطناعي ووسائله.
وثائقي جدير بالمشاهدة والتفكر. The Social Dilemma
التعليقات