تسعى الدول جاهدة لتعظيم مواردها من خلال السياحة، وتسويق معالمها التاريخية والتراثية البارزة سياحيًا. وتحرص كل دولة على أن تكون وجهة سياحية مميزة عن طريق إبراز كل معالم الجذب التي يرغب فيها الزائر. لكن في الأونة الأخيرة صرنا نسمع ونشاهد مظاهرات في عدة مدن أوروبية تندد بزيادة أعداد السياح إليها، وتشكو مما يسمى بــ "السياحة المفرطة" Overtourism.
لقد قررت بعض المدن السياحية الشهيرة في أوروبا اتخاذ إجراءات صارمة ضد هذه الظاهرة لمحاولة تقليل أعداد السياح الوافدين إليها. أصابت تلك الظاهرة عدة دول أوروبية عريقة مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وسويسرا وهولندا، بل وانتقل الأمر لبعض الدول الأسيوية مثل اليابان وإندونيسيا والتي شهدت بعض المدن والجزر فيها مظاهرات تندد بارتفاع أعداد السياح.
لقد اعتادت تلك الدول خاصة في أوروبا أن توفر لشعوبها مستوى مرتفع من المعيشة، بالإضافة إلى اعتياد معظم سكان المدن الأوروبية العريقة على الهدوء والنظام وإحترام البيئة. وجد السكان في العواصم والمدن الأوروبية الراقية أنفسهم في مواجهة ضغط كبير على البنية التحتية التي لا تتحمل ذلك التدفق الهائل في أعداد السياح. ازداد الضغط على مرافق المدن وأصبح الازدحام المروري سمة مميزة لتك المدن الهادئة. بالإضافة إلى ذلك كان لارتفاع أسعار الإيجارات وانتشار التلوث نتيجة التراكم المتزايد للمخلفات وازدحام وسائل النقل الأثر الأكبر لخروج عدد كبير من السكان في تظاهرات تندد بالسياحة المفرطة وأثرها السلبي على الحياة اليومية للسكان.
كان من المثير للانتباه عندما شاهدت أحد مقاطع الفيديو لعدد من السكان المحليين في إحدى المدن الأوروبية الكبيرة الصيف الماضي وهم يطاردون السياح في الشوارع ويطلبون منهم المغادرة. لا أنسى أحد المشاهد لعدد من السكان المحليين في مدينة أوروبية شهيرة وهم يقومون برش المياه على السائحين لمضايقتهم وحثهم على المغادرة. لا شك أن مصطلح "السياحة المفرطة" قد فرض نفسه على الساحة. لقد دخل المصطلح إلى قواميس اللغة الإنجليزية، فضلًا عن زيادة الانتباه لذلك المصطلح والعمل على دراسته للوقوف على أسبابه وكيفية علاج أثاره الخطيرة على السياحة.
اختلفت الدول في التعامل مع السياحة المفرطة طبقا لظروفها الخاصة. فاليونان مثلا أعلنت أنها ستتخذ إجراءات صارمة لحماية مواقعها الأثرية من ضغط السياح بفرض رسوم دخول على المعالم السياحية الشهيرة، وأعلنت إيطاليا أنها ستفرض ضرائب سياحية جديدة. وهناك دول أخرى حاولت التصرف بشكل أكثر توازنا عندما أعلنت أنها ستحاول الترويج لمناطقها السياحية في المدن الأقل جذبًا لجعلها مقاصد جديدة تمتص الأعداد الكبيرة من المدن الأخرى. يبدو أن الحكومات في أوروبا تتعامل مع الأمر بجدية عن طريق تحديث استراتيجياتها لحماية البيئة والمواقع التاريخية، مع وعد السكان بتحسين جودة الحياة وتكثيف أعمال صيانة المرافق.
لعل هناك من يقول في نفسه –وخاصة في العالم العربي- نتمنى أن نجرب مصطلح "السياحة المفرطة" ولو لفترة، خاصة وأن العالم العربي يمتلك الكثير من عناصر الجذب السياحي سواء ثقافيا أو ترفيهيا. أخبرني أحد الزملاء ممن تخصص في الدراسات السياحية أن الأمر في أوروبا يؤخذ بجدية شديدة، خاصة عندما أكد لي إزدياد شعور المواطن الأوروبي أنه غريب في بلده. إن الاكتظاظ والضجيج وانتهاك الخصوصية والسلوكيات الصاخبة لدى بعض السياح خاصة من جنسيات محددة هي أشياء لا يمكن للمواطن الأوروبي أن يقبلها بحجة تعظيم الدخل السياحي.
لا أتصور أن السياحة المفرطة قد تنتهي أو حتى تقل شدتها لا سيما وأن الشبكات الاجتماعية تساهم بشدة في التشجيع على السفر، والتسويق لوجهات على حساب وجهات أخرى عن طريق التلاعب في المحتوى لتحقيق أرباح كبرى. يبدو أن الأمر لن يُحل إلا عن طريق التوازن، لكن المسألة ليست سهلة. إن أحد الحلول من وجهة نظر البعض هي تغيير سلوك وثقافة السائح لنصل إلى سياحة متوازنة ومسؤولة. وبالرغم من اتفاقي مع ذلك الرأي إلا أنني أعتقد أن التنفيذ ليس سهلًا ويحتاج إلى تخطيط وتنظيم كبير جدا وتعاون بين الشركات السياحية وبين المؤسسات السياحية الرسمية في كل دولة. إن تغيير سلوك المسافرين يحتاج لإعداد طويل وتدابير متنوعة تحقق المعادلة الصعبة التي تُوازِن قدر الإمكان بين استمتاع السياح من جهة ورفاهية السكّان المحلّيين من جهة أخرى.
بـاحث في التــاريخ والتـراث
التعليقات