في العقد الأخير بات واضحا كيف أن المؤسسات العربية الرسمية وغير الرسمية بدأت تهتم بالثقافة وبإعداد البرامج التي تشجع على الإبداع فضلًا عن رعاية المواهب في كل فروع الفنون والعلوم والآداب. لا شك أن الثورة الرقمية التي اقتحمت حياتنا في السنوات الأخيرة قد سهلت تداول المعلومات ونشر الفكر والثقافة واكتشاف مواطن الإبداع لدى كل إنسان، لكن في العامين الأخيرين تحديدًا برز الوافد الجديد وهو الذكاء الاصطناعي بتطبيقاته المختلفة التي اقتحمت كل المجالات.
لا ننكر أنه سهل الكثير من المهام لكنه في نفس الوقت صار يتغلل في كل مناحي حياتنا، بل وتزداد درجة اعتمادنا عليه بصورة مثيرة للانتباه.
بالطبع سادت حالة من الجدل في الأوساط الثقافية حول حدود الذكاء الاصطناعي، وهل يُشكل خطرًا على الثقافة والفكر والإبداع؟ كانت حالة الاطمئنان تقريبًا هي السمة الغالبة داخل الأوساط الثقافية لكون الذكاء الاصطناعي مجرد آلة مبرمَجة ولن تستطيع أن تُحاكي الإبداع البشري. على الجانب الآخر كان الذكاء الاصطناعي يزداد تطورًا بصورة مذهلة وصار مستوى تعلُم الآلة أسرع مما يمكن لعقولنا أن تتصوره. من هنا بدأت تتبلور معضلات جديدة وضعتنا أمام أسئلة يصعب الإجابة عليها بدقة. هل الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصنع ثقافة؟ هل يمكن للآلة أن تُخرج منتجات إبداعية؟ لقد أجاب الذكاء الاصطناعي بطريقته الخاصة حين رأينا روايات وكتب وقد أُلفت بواسطة الذكاء الاصطناعي، وشاهدنا لوحات رُسمت بواسطة الذكاء الاصطناعي، واستمعنا لمقطوعات موسيقية ألفها الذكاء الاصطناعي.
إن الثقافة والإبداع هي نتاج أعمال خرجت من عقول أصحابها بعد عناء فكرى ومجهود مخلص وتدريب وتطوير مستمر للمواهب. لا يمكن أن نتصور أن يكون الأمر بهذه السهولة، أن تُخرج الآلة عملًا هجينًا في دقائق معدودة ونطلق عليه عملًا إبداعيًا، لا سيما وأن الآلة لا تنتج ذلك من تلقاء نفسها بل بالتدريب على نماذج إبداعية حقيقية لكُتاب وأدباء وشعراء وفنانين من حول العالم. وكان مما زاد المخاوف من أثار الذكاء الاصطناعي على العقل البشري هو قيام المئات من الشخصيات العالمية في العام الماضي بإصدار بياناً يدعو إلى حظر تطوير الأنظمة التي من المتوقَع أنها قد تتفوّق على قدرات الإنسان الذهنية. كان ذلك البيان على قدر كبير من الأهمية حيث كان من بين الموقعين عليه عدد من حائزي جائزة نوبل، ومسؤولين سياسيين واقتصاديين وعدد من الأدباء والفنانين.
يرى المدافعون بشدة عن الذكاء الاصطناعي وخاصة من أقطاب عالم التقنية أننا نبالغ في الخوف على الإبداع البشري من الآلة بدلًا من أن نركز على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في إثراء مهام العقل البشري. لكن هناك بعض الآراء التي ترى بأن البشر هم الذين يجب عليهم أن يغيروا من أفكارهم التقليدية ويستعدوا لعصر جديد وهو عصر "إبداع الآلات"، ليشاهدوا بأعينهم القدرات الإبداعية الخارقة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وباستمرار ذلك الجدال نجد أنفسنا أمام سؤال آخر أكثر تعقيدًا، هل ينبغي لنا أن نعيد تعريف الإبداع في ظل ذلك التطور؟
لقد آن الأوان للهيئات والمؤسسات الثقافية في العالم العربي أن تتخذ مواقف حاسمة وأن تجتمع لمعالجة تلك الآثار الخطيرة للذكاء الاصطناعي على الثقافة والفكر، فضلًا عن الدور الحتمي للهيئات القانونية والمجالس التشريعية في وضع الضوابط والآليات التي تنظم عمل الذكاء الاصطناعي ودوره في التأليف والنشر، وأثر ذلك على حقوق الملكية الفكرية. نحتاج إلى وقفة حقيقية ونقاش حضاري فعّال يجمع أصحاب الفكر والثقافة وأعلام الإبداع في العالم العربي لمناقشة الأمر على نطاق واسع. لا بد أن تسارع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية لحماية الثقافة والإبداع، بل لحماية العقل البشري نفسه من ذلك الطوفان الاصطناعي. لا يعنى ذلك مطلقًا أننا في حالة عداء مع الذكاء الاصطناعي، بل يعني ذلك أن العلاقة بين الإبداع وبين الذكاء الاصطناعي لا بد وأن تكون علاقة تكاملية وليست علاقة تنافسية تهدد الإبداع البشري، وأنه من الممكن جدًا أن يكون الذكاء الاصطناعي شريكًا حقيقيًا في صناعة العمل الفني والأدبي.
بـاحث في التـــاريخ والتــراث
التعليقات