يقف العالم العربى اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة لم يشهد لها مثيلا منذ توقيع اتفاقية «سايكس بيكو» عام 1916 بين فرنسا وبريطانيا لتقسيم المنطقة العربية بينهما، فما يحدث الآن من انفجار شامل فى جغرافيا الشرق الأوسط، مدفوعا بالعدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران، يتجاوز فكرة «تغيير النظام» أو «تحجيم النفوذ»، ليصل إلى مستوى إعادة هندسة المنطقة وفق خرائط توراتية وإستراتيجيات استعمارية قديمة متجددة، بما يخدم مصالح الهيمنة الخارجية والأحلام التوسعية الصهيونية.
وفى هذه الحرب تحولت دول الخليج العربية إلى أهداف لصواريخ مدمرة، بينما وقفت القواعد الأمريكية، التى طالما روج لها كدرع واقية، موقف المتفرج، مما أدى إلى تزعزع الثقة بالحليف الخارجى وبروز الحاجة الماسة إلى وجود مظلة بديلة لحماية أمن هذه الدول الشقيقة بل الأمن القومى العربى بشكل عام.
إن القراءة المتأنية للتطورات الراهنة بالمنطقة تكشف عن عدة أمور غاية فى الأهمية، أولها: أن الخطر الأكبر يكمن فى الأهداف الحقيقية لهذا العدوان، التى تتجاوز بكثير الملف النووى الإيرانى. فتصريحات السفير الأمريكى السابق فى إسرائيل مايك هاكابى، والتى تبنى فيها «حق إسرائيل التوراتى المطلق فى أرض تمتد من النيل إلى نهر الفرات توضح الأبعاد الحقيقية للصراع وكيف أنه يعبر عن عقيدة تؤمن بها تيارات نافذة فى القيادة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية، وتسعى لتحقيق «إسرائيل الكبرى» على حساب الدول العربية.
ثانيا: تؤكد هذه التطورات عودة صارخة لاستراتيجية «الاحتواء المزدوج» التى تبنتها الولايات المتحدة فى التسعينيات، والتى قامت على إضعاف كل من العراق وإيران معا، من خلال حرب بين الطرفين استمرت 8 سنوات (1980-1988)، ثم دمرت العراق بالكامل عام 2003، وها هى اليوم تحاول تدمير إيران بعد أن انتهى دورها كـ«فزاعة» تبرر الوجود العسكرى الأمريكى فى الخليج. وفى الحالتين المستفيد هو المشروع الصهيونى.
ثالثا: إننا للأسف لا نتعظ من التاريخ، فمنذ عصر الطوائف فى الأندلس وحتى اليوم، تخبرنا دروس التاريخ أن التشرذم والفرقة كانت السبيل لتقويض القوة العربية والإسلامية وفتح الباب للهيمنة الخارجية، كما تخبرنا الدروس ذاتها أن التعاون والوحدة هما السبيل لمواجهة الأطماع الخارجية الخطيرة. فلم يتمكن صلاح الدين الأيوبى من استعادة القدس وطرد الصليبيين إلا بعد أن وحد مصر والشام وجيش الأمة فى مشروع واحد واضح الأهداف.
ونصر أكتوبر 1973، لم يتحقق إلا بالتنسيق المصرى السورى المحكم، والدعم العربى المالى والعسكرى، إلى جانب سلاح النفط العربى. كما أن ما يحدث اليوم فى إيران هو نسخة مكررة لما حدث فى العراق، من حيث المقدمات والحجج والنتائج ففى الحالتين تركزت الحجج على منع أسلحة الدمار الشامل وتحقيق الحرية والديمقراطية، وتبين كذب هذه الحجج فلم توجد أسلحة دمار، كما تفشت الفوضى بدلا من الديمقراطية المزعومة.
رابعا: من أخطر ما شهدته هذه الحرب هو سقوط صواريخ على دول الخليج الشقيقة ومناطق أخرى لم تتبنها أى جهة. وتشير التحليلات إلى أن الموساد الإسرائيلى وراء هذه «الصواريخ التائهة» لتحقيق أهداف جيوسياسية خبيثة تتمثل فى إشعال حرب سنية-شيعية، لتحويل المواجهة من صراع عربي-إسرائيلى، إلى اقتتال طائفى يفتت ما تبقى من نسيج المنطقة. بهدف إضعاف كل القوى الإقليمية لمصلحة الهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية.
خامسا: أن هناك تحولا جذريا فى نظرة الإنسان العربى إلى القواعد الأمريكية. فبينما تمتلك هذه القواعد منظومات رادارية ودفاعية متقدمة جدا، فشلت -أو تهاونت- عن حماية المدن الخليجية من الرشقات الأخيرة.. هذا العجز أو التغافل زعزع الثقة فى واشنطن كضامن أمنى، وأثبت أن وجودها العسكرى يهدف لحماية مصالحها وحماية إسرائيل فقط .بل إن الآية انقلبت كما لخصها د. عبد الله الشايجى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت بقوله: «بدلا من أن تدافع عنا القواعد الأمريكية وجدنا أنفسنا نحن من ندافع عنها»!!.
إذن الهدف الحقيقى لهذه الحرب هو إزالة آخر قوة إقليمية (غير عربية) تقف فى وجه المشروع الصهيونى، وإعادة ترتيب المنطقة وفق رؤية لا مكان فيها للقوى العربية المستقلة، فى ظل واقع تضرب فيه الصراعات الداخلية جبهات عديدة بالمنطقة العربية.. لمواجهة هذه الأخطار والتحديات، أصبح استعادة المشروع العربى المغيب ضرورة وجودية.. فكيف السبيل لتحقيق ذلك؟.
التعليقات