الهيمنة الثقافية السيبرانية ليست مسألة تقنية بحتة وإنما هى قضية عميقة تتعلق بالسلطة المعرفية، وبالقدرة على تشكيل الوعى الجماعى، حيث تستخدم المنصات الرقمية آليات عديدة لتحقيق هذه الهيمنة، ذكرنا مثالا توضيحيا لها فى المقال السابق، يتعلق بفرض نوع من «التوجيه القسرى للرأى العام»، واستكمالا لذلك، نشير الى مثال آخر يتجسد فى «التخدير الرقمى»، فعندما تشتعل المنطقة عسكريا، ويرتفع مستوى القلق الوجودى لدى الجماهير، تتدخل الخوارزمية لتقدم «مسكنا»، فيسود محتوى لوصفات طبية تشغل الناس وتحقق لهم راحة نفسية أو إثارة فضول، بعيدا عن أخبار الموت والدمار ليعلو حديث «الطيبات» على ضجيج «الطائرات»! ويتحول اهتمام المواطن من «كيف سأواجه غلاء الأسعار الناتج عن توتر سلاسل إمداد الطاقة والغذاء بسبب حرب الخليج؟» إلى «ما هى الخلطة السحرية للصحة والجمال؟»! كما يصبح نوع الغذاء هو «المأزق» وليس حصار «المضيق»!!
إذا لم نضع ضوابط اجتماعية وتقنية تحكم دور الخوارزميات، سنبقى فى واقع يعاد فيه إنتاج الأجندات الزائفة وتفكيك الهويات لصالح الترويج لقضايا لا تعكس بالضرورة مصالح المجتمع، فكيف يمكن مواجهة هذه الهيمنة؟ إن المواجهة تتطلب تضافرا بين الجهود التشريعية، والبعد الأخلاقى للتقنية، والبحث العلمى، لتعزيز بنى إعلامية قوية ومستقلة وبناء وعى نقدى لدى الجمهور العربى حول آليات عمل الخوارزميات، وتطوير سياسات تنظيمية عربية تفرض الشفافية على المنصات العالمية، ودعم بدائل رقمية محلية تهتم بالقضايا الجوهرية والهوية المتماسكة.
ويعتبر البحث العلمى فى مقدمة أدوات هذه المواجهة، وهنا تبرز أهمية اجتهاد بحثى عربى جديد هو «نموذج المناعة والممانعة الرقمية» لتفسير آليات تشكيل الهوية فى الفضاء الرقمى وآليات التفكيك والمقاومة فى إطار النظام السيبرانى العالمى. أسس هذا النموذج د. محمد سعد إبراهيم، أستاذ الصحافة بجامعة المنيا ومؤسس منتدى «الأصالة والتجديد فى بحوث الإعلام العربية».
وتنبع أهمية النموذج على المستوى التطبيقى من كونه يقدم تفسيرا لظاهرة الهيمنة الثقافية السيبرانية وأنماط التوجيه الخوارزمى لغرف الأخبار الرقمية، الأمر الذى ينعكس سلبيا على استقلالية القرار المهنى، وتشكيل أجندات زائفة وتحويل اهتمام الرأى العام لقضايا هامشية تتسم بالإثارة والاستقطاب، علاوة على الدور السلبى للمنصات الرقمية الكبرى فى إعادة تشكيل الهوية وتفكيكها. لم يكتف هذا النموذج بتقديم مفاهيم ومتغيرات بل تضمن مؤشرات منهجية لقياسها. ويستمد النموذج أهميته من تحديد استراتيجيات المقاومة لهيمنة وتحيز الخوارزميات من خلال الوعى النقدى والتحقق التقنى وخطاب المقاومة وبناء منصات بديلة ومستقلة عن سلطات الخوارزميات التى تستهدف تشويه الهوية .
ويقوم النموذج على مجموعة من المفاهيم المترابطة التى تفسر السلوكيات والاستراتيجيات المتعلقة بالهوية فى الفضاء الرقمى أبرزها:
-المناعة الرقمية: وتتمثل فى قدرة الفرد أو المؤسسة أو المنصات على كشف التضليل المعلوماتى وتشويه الهوية.
-الممانعة الرقمية: وهى القدرة التى يمتلكها الأفراد والجماعات على حماية منظومتهم القيمية وهويتهم من الاختراق الخارجى، وتكييف خطابهم للحفاظ على جوهرهم الثقافى. ويشير النموذج إلى تميز الخطاب الدينى التقليدى، بتركيزه على تقديم محتوى تفاعلى مدعوم بالمصداقية العلمية لتعزيز «الذاكرة الدينية الجماعية».
- المقاومة الرقمية: وهى تتجاوز الممانعة لتمثل انخراطا واعيا وتفاعليا يهدف إلى تحدى السرديات الثقافية المهيمنة، وخصوصا الهيمنة الغربية. وتتجلى فى: نقد الحداثة الغربية وتفكيك مسلماتها. وتقديم تمثيل بديل للعرب والمسلمين فى المجال العام الرقمى. وإنشاء فضاءات عامة مضادة تحمل خطابا مغايرا.
وفى هذا الإطار يتبنى النموذج ثلاثة مستويات للمقاومة..المقاومة على المستويات الفردية، والجماعية، والمؤسساتية. ويطرح ثلاثة مستويات للمناعة الرقمية:مناعة تكيفية مع هيمنة النظام السيبرانى العالمى. ومناعة انغلاقية رافضة للتكنولوجيا. ومناعة إصلاحية يتبناها النموذج بهدف توظيف التقنيات لخدمة مصالحنا وأولوياتنا بما يتسق مع الخصوصية الثقافية.
-المقاومة الفاعلة: وهى الممارسات العملية، فردية وجماعية، التى تستخدم التكنولوجيا الرقمية بشكل استراتيجى لمواجهة آليات الرقابة والقمع والهيمنة. وتشمل هذه الممارسات:التشفير) (واستخدام تطبيقات مثل Signal وTelegram لتأمين الاتصالات.
والشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وإخفاء الهوية الرقمية والوصول للمحتوى المحجوب. وتشتيت السردية بنشر الرسائل عبر منصات متعددة وحسابات بديلة لتجنب الحذف. والرسائل ذاتية التدمير لضمان عدم بقاء أثر للاتصالات الحساسة. والتوثيق الرقمى المؤمن( Blockchain) وتسجيل الانتهاكات أو الروايات المضادة بطريقة يصعب حذفها.
التعليقات