ديكتاتورية «الخوارزميات» وتزييف «الأجندات»

ديكتاتورية «الخوارزميات» وتزييف «الأجندات»

د. محمد يونس

إذا كانت الهيمنة السياسية والاقتصادية القسرية قد تطلبت تحريك حملات الطائرات وإطلاق الصواريخ والمُسيرات خلال أيام معدودة، فإن الهيمنة الثقافية الرقمية تعتمد على تحريك «البايتات» وتوجيه تدفقات «البيانات» طوال العام، وفى الوقت الذى تقرع فيه المعدات العسكرية، طبول الحرب، فإن الخوارزميات تدق طبولا أخرى تتعلق بإعادة هندسة الوعى الجمعي، حيث تقوم المنصات الرقمية الكبرى بإعادة صناعة الواقع وفق أجندات تخدم المركزية الغربية وتُهمش القضايا الجوهرية للناس.

المنصات الرقمية تستخدم آليات عديدة لتحقيق هذه الهيمنة الثقافية عبر خوارزميات معينة، من بينها: أولا:(غرف الصدي) «Echo Chambers» لحصر المستخدم فى دائرة مغلقة من الأفكار التى تشبهه .

وتعتمد وسائل التواصل الاجتماعى على خوارزميات صُممت لتعظيم «التفاعل»، بغض النظر عن القيمة الأخلاقية أو الحقيقة الموضوعية. وهو ما يُعرف بـ «اقتصاد الانتباه»، حيث تصبح الإثارة، والجدل، والاستقطاب هى الأهداف الخفية، لتفرض نوعاً من «التوجيه القسرى للرأى العام» وهنا نكتشف أنه ما كنا نظنه نوافذ لحرية التعبير عبر الفضاء الرقمي، أصبح رهنا لديكتاتورية «الخوارزمية» وأن «صحافة المواطن» لم تعد تعكس قائمة أولويات اهتمامه بقدر ما أصبحت مجالا لتزييف «أجنداته»!

فى تحليل هذه المعضلة يبرز سؤالان: الأول يتعلق بالمعرفة :كيف يحدث ذلك؟ والثانى يتعلق بالوعي:ما السبيل للمواجهة؟

للإجابة عن السؤال الأول، يشير الخبراء والبحاثون إلى أن المنصات الرقمية تستخدم آليات عديدة لتحقيق هذه الهيمنة الثقافية عبر خوارزميات معينة، من بينها: أولا:(غرف الصدي) «Echo Chambers» لحصر المستخدم فى دائرة مغلقة من الأفكار التى تشبهه، مما يعمق الاستقطاب. وثانيا تزييف الأجندات (Agenda Cutting): بدلاً من ترتيب الأولويات (Agenda Setting)، فتقوم الخوارزمية بـ «قطع» الطريق على القضايا الجادة لصالح قضايا هامشية تضمن بقاء المستخدم أطول فترة ممكنة على المنصة. وفى الوقت نفسه تضعف قدرة الجماهير على التمييز بين الأولويات الحقيقية والقضايا المصطنعة المثيرة للجدل. ثالثا: التضخيم الآلى للمحتوى المصطنع، من خلال الحسابات الآلية، والشبكات المنظمة التى يمكنها توظيف الخوارزميات لنشر روايات زائفة بسرعة، ما يخلق إحساسًا بأهمية قضية ما رغم ضعف عمقها. رابعا:إخفاء السياقات والمرجعيات: ففى ظل الاهتمام بالتفاعل السريع يتم اختزال النصوص والسياقات التاريخية، فمثلا تنشر الوقائع وكأن الصراع الإسرائيلى العربى بدأ فى السابع من اكتوبر2023 بينما تطمس جرائم الاحتلال الصهيونى منذ العام 1948.

ويترتب على هذه الآليات أيضا صرف النقاش العام عن الاهتمام بالقضايا الأساسية والعميقة وتراجع الإقبال على المصادر الموثوقة مع تزيد الاعتماد على وسائل غير موثوقة أو روايات شائعة، لخدمة أهداف دعائية وسياسية.

أما أخطر ما تمارسه المنصات الكبرى فهو «تفكيك الهوية الوطنية والثقافية» وإعادة تشكيلها عبر الترويج لمحتوى يقسّم الجمهور إلى مجموعات صغيرة مبنية على اهتمامات ضيقة، مما يضعف الشعور بالهوية الوطنية المشتركة ويعزّز انقسام المجتمع إلى قِطاعات ثقافية وسياسية متباينة، ويؤدى الى تشجيع الاستقطاب الحاد داخل المجتمع. بالإضافة إلى التركيز على قضايا «التريند» اليومى السطحية بدلا من القضايا الوجودية (مثل الأمن المائي، التعليم، السيادة الاقتصادية).

للتوضيح نعرض نموذجا من واقع التغطية الرقمية للعدوان الأمريكي-الإسرائيلى على إيران، وما تلاه من عدوان إيرانى على دول الخليج الشقيقة. حيث نجد أن الخوارزميات لم تنقل الصراع كأزمة جيوسياسية تهدد الأمن القومى العربي، وتستنزف موارد المنطقة خاصة على ضفتى الخليج، وإنما حولته إلى صراع طائفى داخلى فيُعاد تداول مقاطع قديمة لمحللين يتحدثون عن «الهلال الشيعي» أو «الخطر السني». فقد كشفت دراسة لـ (مرصد الإعلام الرقمى العربي، 2025) عن أنَّ التفاعل مع التغريدات التى تحمل إشارات طائفية صريحة كان أسرع بـ 8 مرات من التغريدات التى تدعو إلى الحياد أو الحل الدبلوماسي، وذلك خلال أول 48 ساعة من أى تصعيد عسكري.

ثم يجرى اختلاق المعارك الوهمية لتحويل العدو من «خارجي» إلى «داخلي»، فبدلا من أن ينصب الغضب الشعبى على القوى التى بدأت العدوان وتتسبب فى التضخم، يتم توجيه الغضب نحو «الحليف القومي»، لتجد «الخوارزميات ترفع من شأن التدوينات التى تتساءل: «لماذا لا تتحرك مصر لحماية دول الخليج العربية؟»!! فى حين أن الواقع يقول إن هذه الدول لم تدخل فى حرب مباشرة أصلاً !وهكذا ويتم إشغال النخبة والجمهور فى مشاحنات جانبية، بينما تمر الأجندات الكبرى (العدوان والسيطرة على الموارد) دون مقاومة إعلامية حقيقية.

أما إجابة السؤال الثانى الذى يتعلق بالحل والمواجهة فيتطلب حديثا آخر.

التعليقات