أدت تطورات العدوان الامريكى الصهيونى على إيران وما ترتب عليها من هجمات إيرانية على دول الخليج الشقيقة إلى نشوء قناعة عربية بفشل مبدأ الاعتماد الأمنى المطلق على الخارج.
وبدأت التقارير تتحدث عن ضرورة البحث عن «مظلات ردع بديلة» عبر اختيارين، الأول العودة إلى مفهوم الأمن القومى العربى الخالص، بعدما اثبتت الحرب إن القواعد الأمريكية لم تعد توفر الأمن، بل باتت هى نفسها مصدر التهديد من خلال جر الدول المضيفة إلى حروب لا مصلحة لها فيها. والثانى تنويع الشركاء الدوليين (روسيا، الصين) ولكن إذا كانت التجربة الراهنة قد أوضحت بجلاء فشل فكرة الاعتماد الأمنى على الخارج، فمن يضمن ان خيار تنوع الشركاء الدوليين سيفى بالغرض عند تضارب المصالح؟
تشير التقارير إلى أن هذه الحرب تفتح أبواب مشروع الهيمنة الصهيونية على المنطقة. فبعد تحطيم إيران، ستكون الخطوة التالية هى ممارسة ضغوط قصوى على القوى العربية المتبقية بالمنطقة لتقزيم أدوارها أو تفكيكها مذهبيا وعرقيا، مما يجعل الكيان الصهيونى هو «القوة الوحيدة» المهيمنة من النيل إلى الفرات، ليس عسكريا فقط بل واقتصاديا أيضا.
أمام هذه الأخطار الوجودية، يبدو الموقف العربى الجماعى فى حالة غياب غريبة وعجيبة، فقد انشغلت الدول بخلافاتها البينية وبمحاولات النجاة الفردية، مما جعلها «لقمة سائغة» للمخططات الخارجية. ومن هنا يبرز السؤال الأكثر الحاحا من أى وقت مضى وهو: كيف يمكن إحياء المشروع العربى المغيب؟
الوقائع على الأرض تخبرنا بأن المشروع العربى المأمول ينبغى أن يضع تعريفا واضحا للعدو المشترك، ويؤسس لقيادة عسكرية موحدة، ويبنى منظومة تصنيع عسكرى عربية، لكسر احتكار القوى الخارجية لقرار الحرب والسلم فى المنطقة، بخاصة انه يتوافر لهذا المشروع كيان رسمى يمكن تفعيله او تعديله حيث تملك جامعة الدول العربية إطارا قانونيا صلبا يمكن البناء عليه وهو «معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي» الموقعة منذ العام 1950. والتى تنص صراحة علي: اعتبار أى اعتداء على دولة عضو هو اعتداء على الجميع (المادة 2).
وإنشاء مجلس دفاع مشترك يملك قوة القرار الملزم (المادة6). وإعداد خطط لمواجهة جميع الأخطار المتوقعة. عبر(اللجنة العسكرية الدائمة) كما يتضمن هذا الإطار اتفاقيات للتعاون الاقتصادى العربى مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى (GAFTA) واتفاقية تسهيل تنمية التبادل التجاري. وبالفعل جددت مصر خلال الايام القليلة الماضية دعوتها لتفعيل معاهدة الدفاع المشترك.
إن تحويل «المشروع العربي» من فكرة نظرية إلى واقع ملموس، يتطلب التحرك على مسارات متنوعة، وفق خطوات رئيسية، أبرزها: أولا: الانتقال إلى استراتيجية «الاعتماد الذاتي». وهذا يتطلب وقف أحادية الاعتماد على قوى خارجية فى قواعد الحماية، والعمل على صيغة شراكات تحترم السيادة الوطنية وبناء «منظومة دفاع جوى عربية متكاملة». وإنشاء قوة عسكرية عربية دائمة تكون مهمتها حماية الممرات المائية بالمنطقة، والتدخل السريع لحماية أى عضو يتعرض لتهديد وجودي. وتوحيد العقيدة العسكرية نحو «العدو الحقيقي». وتعزيز القدرات الذاتية للصناعة الدفاعية العربية والاعتماد المتبادل فى الإمدادات العسكرية لتقليل السيطرة الخارجية على العناصر الحيوية للأمن القومى العربي.
ثانيا التكامل الاقتصادى فلا أمن بدون غذاء وماء وطاقة. لذا يجب ربط رؤوس الأموال الخليجية بالقدرات البشرية والزراعية بالوطن العربي، ضمن إطار استثمارى يحقق مصالح جميع الأطراف العربية لخلق «اكتفاء ذاتى قومي».
ثالثا: تطوير الأداء الدبلوماسى والثقافى والإعلامى من خلال بناء تحالفات دبلوماسية متينة تقوى الموقف العربى فى المحافل الدولية وتحد من هامش المناورة للقوى الخارجية التى تستثمر الانقسام العربي. ومواجهة محاولات إذكاء الصراعات العرقية والطائفية، مما يتطلب بناء خطاب عربى يتجاوز المذاهب ويركز على «الهوية الحضارية المشتركة». ويكشف دورالاستخبارات المعادية فى تأجيج هذه الصراعات أمام الشعوب، لمنعها من الانجرار خلف الروايات المفخخة.
إن استعادة المشروع العربي، صار ضرورة للبقاء والرد الوحيد على مطامع الهيمنة. التاريخ لن يرحم من يفرط فى أمنه القومى ويرتهن لأعدائه، والعرب اليوم يملكون كل مقومات القوة - مالا وجغرافيا وسلاحا وبشرا- وما ينقصهم فقط هو أن يثقوا فى أنفسهم ويعتمدوا على إرادتهم لصنع مستقبلهم بأيديهم، بعيدا عن سراب الوعود الخارجية، وصدا لخرائط الوعود التوراتية المزعومة من «النيل إلى الفرات»!
التعليقات