المنطقة بين الحضور الافتراضى والغياب الفعلى!

المنطقة بين الحضور الافتراضى والغياب الفعلى!

د. محمد يونس

المتأمل لما يجري في العالم اليوم يصعق من المفارقة الكبيرة بين الحضور في الفضاء الافتراضي والغياب في الواقع الفعلي.. بين ما يعلن في وسائل الإعلام وما يجرى على أرض الواقع.. بين ما يقال عن مراحل مفترضة ومجلس معلن للسلام، وما يجري من انتهاكات يومية للهدنة في غزة وضم للأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية وتوسع استيطاني وتمدد إسرائيلي في سوريا ولبنان.. بين الرؤية التي طرحها الرئيس الأمريكي ترامب لإنهاء الحرب بالمنطقة ومؤتمر السلام الذي عقد بواشنطن 19 فبرار الماضي، وتصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي بشأن أحقية إسرائيل في أراض تابعة لدول عربية والتي تمثل خرقا سافرا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.. بين الحضور العربي في البيانات والغياب في الأفعال.

في خضم الانشغالات بهذه التفاصيل اليومية ربما يغفل الكثيرون عن رؤية الصورة الكبرى التي تتشكل على الأرض والتي تتمثل في التنفيذ العملي المرحلي لما يسمى حلم «إسرائيل الكبرى»، حيث تجاوزت العمليات العسكرية الإسرائيلية في فلسطين ولبنان وسوريا حدود الرد الدفاعي لتتحول إلى مشروع جيوبوليتيكي واسع النطاق. وشهد العام الأخير تكريسا لهذا التوجه، وتصاعد وتيرة الاستيطان والتهجير القسري؛ ففي الضفة الغربية، بلغت اعتداءات المستوطنين مستويات قياسية أدت إلى تهجير أكثر من 37 ألف فلسطيني.

ووفقا لتقارير أممية، فإن الممارسات الإسرائيلية في غزة والضفة، بما في ذلك التجويع الممنهج وتدمير البنية التحتية، تشكل عمليات «تطهير عرقي» تهدف إلى تغيير ديموغرافي دائم. وفي سوريا، استغلت إسرائيل انهيار النظام في نهاية 2024 لتبسط سيطرتها على مناطق واسعة تجاوزت الجولان وما بعدها، مع طموحات لإنشاء ممر أمني يصل إلى الفرات..وفي الجوار تهديد بإشعال حرب لا يعلم أحد حجم تداعياتها على المنطقة كلها.

تمر منطقتنا بمنعطف استئصالي حاد ولم يعد الـمشروع التـوسعي مجرد أدبيات حزبية متـطرفة، بل أصبح خطابا «فجا». فتصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيـل، حول «أحقية» الاحتلال في أراض تابعة لدول عربية، ليست زلة لسان، بل هي إعلان عن مرحلة «الضم الـكلي». وهذا يتسق مع رؤية نيتانياهو التي أعلنها صراحة بأن إسرائيـل تعمل على تشكيل «مـحـور جديد» يـستثمر فيما وصفه بـ»انـهيار» الـمحاور التـقليدية، ليكون هو الـقطب الـمهيمن بـديلا عن الأمن القومي الـعربي الـمغيب.. فهو لا يكتفي بضرب محور المقاومة الشيعي، بل يتحدث اليوم عن مواجهة «محور سني متطرف». بهذا الطرح، يسعى نيتانياهو إلى إعادة تشكيل تحالفات المنطقة برمتها، ليس فقط ضد الأمن القومي العربي وإنما أيضا ضد الإسلام بمذهبيه!

ولا يمكن قراءة التـغـلغل الصـهـيـوني في مراكز الـقرار الـغربية بعيدا عن ملفات الابـتـزاز والاستـخـبارات. هنا تـبرز فضائح جيفري إيبستين، التي كشفت تقارير أكاديمية وصحفية مثل تحقيقات «ميانت رود» عن ارتباطات وثيـقة بـجهاز «الـموساد». إن تـوظيف هذه الـفضائح لـبناء نـفـوذ قوي داخل النـخبة الأمريكية يـفسر سر الدفع الـمستمر لـجر الـولايات الـمتحدة إلى صراع مباشر مع إيران، ليس حـفاظا على السلم الـعالـمي، بل لـتحطيم آخر الـعقبات الإقليمية أمام استكمال حلقات التـوسع والهيمنة الإسرائيـلية.

المؤلم أنه في مقابل هذا الزحف الاستراتيجي الواضح، لم يتجاوز رد الفعل العربي إصدار بيانات الاستنكار بدون أي فعل حقيقي، والأكثر إيلاما أنه في ظل هذا التهديد الوجودي، يعيش الوطن الـعربي حالة من «التـشـظي» الاستراتيـجي تمتد من مغربه إلى مشرقه.. كل فترة وجيزة تظهر في الأفق ملامح أزمة عربية -عربية. بل أصبحت هذه الأزمات تتجاوز حدود البر: في اليمن والسودان والصومال، إلى مجال البحر في الخليج العربي.. إن الافـتقار إلى مـشروع عربي مـوحد - يملك أدوات الـقوة بمستوياتها المختلفة، الاقتصادية والسياسية والـعسكرية- هو الذي قد ينقل الحلم الشيطاني المزعوم (إسرائيل الكبرى من الـنيل إلى الـفرات) من خزعبلات تاريخية مزورة في الـكـتـب الصفراء إلى وقائع على خريطة الـواقع.

لم يعد يخفى على أحد أن الـمشروع الصـهـيـوني يـستغل «الـنـفـس الأمريكي الأخير» لـتثبيت واقع جديد. وإذا لم يـبادر الـعرب إلى صياغة مـشروعهم وفرض روايتهم، فسنجد أنفسنا غدا لا نبكي على فلسطين وحدها، بل على خريطة عربية مـمزقة، قد تنتقل من تضاريس الجغرافيا إلى صفحات التاريخ.. ولدى أمتنا العربية باع طويل في البكاء على الأطلال!

التعليقات