عندما تزداد قسوة العالم شيئًا فشيئًا، نلطف الأجواء قائلين: هناك فن يرفّه عن أنفسنا ولو لبرهة. وعندما تنتشر قضية كالآفة في المجتمع، يأتي الفن مسلطًا الضوء عليها، إن كان في ذلك سبيل لطرح حلول للقضاء عليها، لا لإبرازها وتعزيز وجودها. فثمّة قضايا يكون أفضل حلٍّ للتعامل معها هو تجاهلها، مثل الإدمان والشذوذ الفكري والجنسي، لأن تسليط الضوء عليها بلا هدف علاجي أو توعوي قد يكون دعوة خفية لشبابٍ يفتقر إلى الوعي الكافي، فينجرّ وراء التجربة. وهذا يختلف كل الاختلاف عن قضايا مثل أطفال الشوارع، وزواج القاصرات، وانتهاك الحقوق الإنسانية تحت وطأة قوانين يجب تعديلها.
ولكن هل يعني ذلك أن على الفن أن يكون منقذًا دائمًا؟! بالطبع لا... فالفن حرية، والفنان حرٌّ ما دام لا يضرّ. إن أردت بفنك إحياء التراث، فلك التحية، وإن أردت زيادة الوعي والتثقيف، فلك الاحترام، وإن سعيت إلى تسليط الضوء على قضية اجتماعية رغبةً في حلّها، فلك التقدير، وإن كان هدفك تهذيب النفوس والارتقاء بها نحو الجمال، فلك كل التحية والاحترام والتقدير.
لكن، ما ظنّك حينما تقدّم ما هو دون ذلك كله؟ هل يصحّ أن نسمّي العمل فنًّا إن كان مسيئًا لجمهوره، مستفزًّا لمتذوقه الأول، قائمًا على الفتنة والبذاءة في القول والفعل بلا غرض أو رسالة؟ بالإضافة إلى ذلك، فهو يصدر للعالم صورةً مشوّهة عن شعبه، إذ يدرك الآخرون أن الفن ما هو إلا انعكاس لثقافة الأمم.
ومثلي مثل غيري، ظننت في البداية أن الذنب، وكل الذنب، يقع على الفنانين، أمثال المخرج محمد سامي، ممّن تلاقت رغبتهم في النجاح والشهرة والمال مع انحدار الذوق العام وضمور جسد الفنان الحقيقي في عالمنا.
ظننت أنه صنع ذلك سعيًا للنجاح، رغم إيماني بوجود فنانين حقيقيين مغيّبين في زحام هذا العالم، حتى ذهبتُ يومًا إلى مسرح جامعة مرموقة لحضور عروضٍ مسرحية من تأليف وإخراج وتمثيل شباب واعد، يعمل بلا أي مقابل مادي. فقلت في نفسي: هنا سأرى فنًّا حقيقيًّا، فهؤلاء يعشقون الفن لذاته، وليس لما وراءه. لكنّني تلقيت الصدمة الأولى مع العرض المسرحي الأول، ثم الثاني، ثم الثالث...
خرجتُ متسائلة: هل هذا ما يؤمن به الشباب؟! عروض مسرحية كاملة تقوم على الكوميديا الهزلية، بتعبيرات شبابية مثيرة، في قوالب تقليدية مكررة، ينتهي العرض وأنت كما دخلت... لا استفادة، لا مغزى، لا هدف!
وهنا أدركت أزمتنا الكبرى. ليست مشكلتنا في مؤامرة تقودها عصابة مقنّنة تهدف إلى تدمير فنوننا وثقافتنا، بل أزمتنا الحقيقية تكمن في أنفسنا. نحن مَن أهملنا الفنون والثقافة، ولهثنا وراء العلوم الحديثة تاركين أهم ما كان يميزنا، والآن نتفاجأ بجيل كامل من الشباب يعتقد خطأً أن ما يقدّمه اليوم يمكن أن يُسمّى فنًّا!
إذن، فأولى سبل التغيير ليست بمعاقبة هؤلاء الشباب، بل بمخاطبتهم، وزيادة وعيهم، وتثقيفهم، حتى يصبحوا قادرين في يومٍ من الأيام على تقديم فنٍّ راقٍ.
وتذكّر دائمًا أن الفنون هي واجهة الشعوب الأولى.
التعليقات