" لا تأسفن على غدر الزمان لطالما
رقصت على جثث الأسود كلاب
لا تحسبن برقصها تعلو على أسيادها
تبقى الأسود أسود والكلاب كلاب."
إذا زاد الاختلاف وانعدم مجال الوفاق، تكون الحرب هي النتيجة، ويتنازع المختلفون حتى ينتصر أحدهم بالدم والسلاح. فما إن بدأت الحرب، فلا مجال للحلول السلمية أو المفاوضات، لأنها لو كانت مجدية، ثم اختار المتنازعون الحرب راغبين فيها، أثِموا وإن كان الحق معهم.
ولكن في أيامنا هذه، التي كثرت فيها الفنون في الواقع وندرت في أماكنها بنشوز واضح، أصبحت الحرب تنتهي حينما ينتهي الغرض منها، بوضوح وجرأة. فلم يعد هناك مجال لأسباب مُعلنة وأخرى خفية، حيث أصبح كل شيء على مرأى ومسمع.
إصرار غريب من العالم بأسره على إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، الحرب الأكثر شراسة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، الحرب الحية على جمر ونار منذ ثلاث سنوات، منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. أي أن روسيا، المعنيَّة بإقحامها في تلك الحرب، هي التي بدأت وغزت بدوافع ومثيرات أمريكية، بغرض زعزعة روسيا ليسهل تقطيع أيديها في الشرق الأوسط، وقد كان، فانتهت الحاجة إلى الحرب وحان وقت انتهائها.
وهذا ليس بغريب على السياسة الأمريكية، فإن عدنا لعقود قليلة سابقة، سنجد ما يشبه تلك الحرب من حيثيات، وبالتحديد الغزو العراقي للكويت. فمنذ أن لمست أمريكا التطلعات العسكرية لرئيس العراق الأسبق صدام حسين، كانت خطة التخلص منه قيد التنفيذ. فطبقًا للتصريح المتداول والمنسوب لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة ومستشارة الأمن القومي السابقة كونداليزا رايس، كانت الخطة واضحة، وهدفها الإطاحة بنظام صدام. عملت أمريكا على إثارة روحه العسكرية في السيطرة والتوسع، ودفعته إلى محاولة ضم جزء من أرض الكويت، حتى وقع في المحظور وغزا أرضًا عربية، فخسر جماهيريته، وانقلب العرب عليه، ووقفوا بجانب الكويت وشعبها المغلوب على أمره. عندها، شنت أمريكا حربًا على العراق، ووجدت من الحيل والمبررات ما هيّأ لها احتلاله، ثم إعدام صدام في صباح أول أيام عيد الأضحى المبارك، مباشرة على جميع المحطات التلفزيونية. وعندها فقط، أدرك صدام ما وقع فيه متأخرًا، فاستذكر أبيات الإمام الشافعي (رحمه الله):
" لا تأسفن على غدر الزمان لطالما
رقصت على جثث الأسود كلاب
لا تحسبن برقصها تعلو على أسيادها
تبقى الأسود أسود والكلاب كلاب."
لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، فإن كان هناك ثابت في هذه الحياة، فهو أنه لا نجاة في حربٍ لمنتصر فقد من روحه وماله، بل النجاة دائمًا لأمريكا.
التعليقات