لا يمكن إنكار أن المرأة اليوم حققت نجاحات كبيرة على المستوى العلمي والمهني والاجتماعي، وأثبتت قدرتها على تحمل المسؤولية والمشاركة الفاعلة في البناء والتطوير. كما أن كثيرًا من النساء قدّمن نماذج راقية للزوجة والأم والشريكة الحقيقية في رحلة الحياة.
لكن المشكلة لا تكمن في نجاح المرأة أو استقلالها، بل في ذلك الفكر المشوّه الذي تتبناه فئة كانت محدودة، لكنها آخذة في الاتساع والانتشار، وتحاول من خلاله تحويل العلاقة الزوجية من ميثاق مودة ورحمة إلى ساحة صراع ومصالح ومكاسب مؤقتة.
لقد ظهرت خلال العقود الأخيرة موجة تتعامل مع الزواج باعتباره مشروعًا للسيطرة لا للمشاركة، ومع الرجل باعتباره خصمًا ينبغي هزيمته لا شريكًا تُبنى معه الحياة.
أصبحت بعض الفتيات اليوم تنظر إلى الأنوثة باعتبارها ضعفًا يجب التخلص منه، لا قيمة إنسانية راقية تجمع بين القوة والاحتواء والرقي.
فلم تعد ترى في الزواج استقرارًا نفسيًا وأسريًا، بل وسيلة للحصول على امتيازات مادية وقانونية لم تكن
لتحلم بها في ظروف أخرى، حتى صار لقب “المطلقة” لدى بعضهن بابًا للحصول على مكاسب أكبر من استمرار الحياة نفسها.
تحولت الشراكة عند هذه الفئة إلى معادلة مختلة؛ الرجل يعمل سنوات طويلة ويبني ويجتهد ويستنزف صحته وعمره، ثم يجد نفسه مهددًا في أي لحظة بفقدان كل ما صنعه، بينما تُصوَّر الزوجة دائمًا باعتبارها الطرف المظلوم حتى وإن كانت غائبة عن أبسط واجبات العلاقة الإنسانية.
وفي الوقت الذي ترفع فيه شعارات الاستقلال والقوة والندية، تتمسك هذه الفئة بمفهوم “الذمة المالية المنفصلة” حين يكون الأمر متعلقًا بالمشاركة وتحمل المسؤولية، لكنها تستدعي مفاهيم أخرى عندما يتعلق الأمر بحقوق الرجل وواجباته، وكأن الزواج طريق ذو اتجاه واحد: الرجل يدفع ويتحمل ويُطالب دائمًا، بينما لا يحصل في المقابل على السكينة أو الدعم أو الاحتواء الذي من أجله شُرعت الحياة الزوجية أساسًا.
ولم تعد الأزمة مادية فقط، بل امتدت إلى اللغة والسلوك وطريقة التعامل.
فبدلًا من الرقي والهدوء والاحترام المتبادل، أصبحت بعض النماذج تتباهى بالخشونة والانفعال والتطاول
اللفظي والسخرية الدائمة، بل أحيانًا بالعنف الجسدي، وكأن القسوة أصبحت دليل قوة، والانحدار الأخلاقي صار عنوانًا للتحرر.
والمؤسف أن هذا الفكر لا يدمر الرجل وحده، بل يهدم الأسرة كلها منذ بدايتها.
فالطفل الذي ينشأ داخل بيت قائم على الصراع والكراهية وتحقير أحد الطرفين، يحمل معه تشوهات نفسية تمتد لسنوات طويلة. وعندما تتحول شعارات “التمكين” إلى خطاب قائم على إهانة الرجل وتحطيم صورته، فإن المجتمع بأكمله يدفع الثمن لاحقًا.
ولذلك بدأت أعداد كبيرة من الرجال تعيد التفكير في فكرة الزواج أصلًا، لا خوفًا من المسؤولية، بل خوفًا من الدخول في علاقة فقدت معناها الحقيقي وتحولت عند البعض إلى عقد مؤقت قابل للانهيار عند أول خلاف أو أول فرصة أفضل.
فالرجل إذا لم يتزوج قد يخسر بعض التفاصيل العاطفية، لكنه يحتفظ براحة باله واستقراره وأمواله حتى يجد المرأة التي تستحق فعلًا أن يمنحها عمره وطمأنينته. أما تلك التي تتعامل مع الزواج باعتباره معركة نفوذ أو وسيلة استغلال، فهي في النهاية الخاسر الأكبر، لأنها تهدم بيديها فكرة الأسرة والاستقرار، ثم
تكتشف متأخرة أن الشعارات الصاخبة لا تصنع بيتًا، ولا تمنح إنسانًا شعورًا حقيقيًا بالأمان والانتماء.
المرأة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع صوتها ولا بعدد المعارك التي تخوضها ضد الرجل، كما أن قوة الرجل لا تعني قهر المرأة أو إلغاءها.
فالأسرة لا تُبنى بالغلبة، بل بالمودة والاحترام والتكامل. وحين يتحول الزواج إلى ساحة انتقام متبادل، يخسر الجميع: الرجل والمرأة والأبناء والمجتمع كله.
ولذلك فالمعركة الحقيقية ليست بين الرجل والمرأة، بل بين القيم التي تحفظ الأسرة، والأفكار المشوهة التي تحاول تحويلها إلى مشروع مؤقت بلا روح ولا رحمة.
التعليقات