في زمنٍ لم يعد يُقاس بالدقائق ولا بالساعات، بل بسرعة التبدّل وانفلات المعنى، نجد أنفسنا نركض لا طلبًا للوصول، بل خوفًا من السقوط خارج الإيقاع. إيقاعٌ لاهث لا يمنحنا فرصة للفهم، ولا حتى رفاهية التوقف لنسأل: إلى أين نمضي؟ ولماذا؟ زمنٌ يبتلع اللحظات قبل أن نستوعبها، ويجعلنا—على نحوٍ خفي—نتحول من فاعلين في حياتنا إلى مجرد مستجيبين لسرعته.
في خضم هذا التيار، أقف أمام المرآة… لا باعتبارها سطحًا يعكس ملامحي، بل ككاشفٍ صامتٍ يفضح ما لا يُقال. صديقتي التي لا تُجامل، ولا تُخفي، ولا ترحم.
تُريني ما تغيّر فيّ، وما تآكل دون أن أشعر، وما تلوّث رغم محاولاتي للبقاء كما أردت لنفسي يومًا.
هناك، في تلك اللحظة الثقيلة، أطرح سؤالي بلا تجميل: هل ما زلت على الصراط؟
ليس الصراط هنا مفهومًا مثاليًا، بل ذلك الخط المرتبك بين ما أؤمن به… وما أفعله فعليًا تحت ضغط الواقع.
الخوف ليس من السقوط الواضح، بل من التحوّل الصامت. من أن أفقد شيئًا جوهريًا دون أن ألاحظ، أن يتآكل القلب تدريجيًا حتى تختلط عليه المعايير.
هل ما زلت أمتلك ذلك القلب البريء؟ أم أن العالم—بتفاصيله القاسية، وبشره المتناقضين، وصراعاته التي تُدار تحت شعارات براقة—ترك داخلي ما لا أستطيع إنكاره؟
ليست المشكلة في أن نرى الفساد، بل في أن نبدأ في تبريره لأنفسنا.
وليست في أن نُصدم، بل في أن نتوقف عن الشعور بالصدمة أصلًا.
أرى وجوهًا تُبرر الحروب، وأخرى تُقدّس الكراهية، وثالثة تتغذى على الصراع وكأنه حقٌ مكتسب. لكلٍ منطقه، ولكلٍ روايته، لكن الحقيقة التي لا يمكن الالتفاف حولها أنني لست خارج هذا المشهد كما أحب أن أتصور.
بداخلي تدور حربٌ أيضًا… حربٌ لا تقل ضراوة، لكنها تختلف في جوهرها. فهناك من يُحارب ليغتصب حق غيره، وهناك من يُحارب ليسترد أرضه…
أتأثر، ثم أعود لأقف أمام المرآة كأنني أُحاكم نفسي. هل ادارة الطريق مازالت تمثلني ؟
هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا: هل ما زلت أنا؟
أم أنني أصبحت نسخة عملية… متكيفة… لكنها أقل صدقًا؟
أعيش يومي… لا بدافع شغفٍ واضح، ولا بهدفٍ كبير يُغري بالسعي. فقط أُكمل. أؤدي ما عليّ، وأتحرك داخل المسار، كأنني أؤجل المعنى لا أعيشه… في انتظار ذلك الهدف الأكبر الذي لم يغادرني، رغم كل هذا الفتور.
وكأن الحياة لم تعد مشروعًا أؤمن به، بل سلسلة من التزامات أحاول ألا أفشل فيها؛ أُنجزها بدقة، لكن دون انتماء حقيقي لها. ومع ذلك، يبقى داخلي شيءٌ يقاوم هذا الخواء… شيءٌ يذكرني بما اشتاقت له نفسي دومًا، وكأن كل هذا السير ليس غاية، بل مجرد عبورٍ طويل نحو حلم لا تمتلك تحقيقه الدنيا.
هذا ليس زهدًا نقيًا… وربما ليس وعيًا كاملًا.
قد يكون مجرد تعب… أو فقدان ثقة في معنى الأهداف نفسها.
لذلك، حين أعود لمرآتي وأسألها: هل تغيّرت؟
لا أنتظر إجابة مطمئنة.
لأن الحقيقة الأوضح ليست أنني ما زلت كما كنت…
ولا أنني فقدت نفسي بالكامل…
بل أنني في منطقة رمادية، أُحاول فيها أن أتمسك بشيء يتفلت مني تدريجيًا.
أنا لا أحارب في جبهتين: نفسي والعالم…
بل أحارب تلك النسخة المتبقية مني، أراقبها وهي تضعف، وأرجوها—في صمت—أن تبقى كما كانت.
أعلم أن الحياة أنهكتها، وأن آثارها بدأت تظهر وتعلو، لكنني لا أتوقف عن دفعها للاستمرار.
أقول لها دائمًا: الصراع لم ينتهِ… وصراعك من أجل البقاء هو الأصدق، والأحق، وربما الوحيد الذي يستحق أن يُخاض.
في زمنٍ لا يوجد فيه انتصار نهائي، ولا هزيمة كاملة…
لا يبقى إلا هذا:
مواجهة مستمرة…
ومرآة لا تكف عن طرح الأسئلة.
التعليقات