منذ فجر التاريخ كانت الحركات الثقافية والفنية تشكل تطورا هاما في تشكيل تاريخ الشعوب.
منذ بداية ثورات العالم الثقافية والفنية في العصور القديمة (قبل الميلاد – 476 م) والتي شملت الفن المصري القديم والإغريقي والروماني....
والذي تمثل في الأهرامات والمعابد والتماثيل مثل تمثال رمسيس ونفرتيتي..
وكذلك الواقعية في النحت والفسيفساء كما ظهر جليا في الكولوسيوم والتماثيل الضخمة.
مرورا بالعصور الوسطى التي شملت الفن البيزنطي والقوطي..
والتي أسست مبادئ الجمال المثالي والنسب الذهبية مثل معبد البارثينون واعمال فيدياس..
كما كان واضحا في الكاتدرائيات المرتفعة المزخرفة مثل نوتردام.
وصولا إلى عصر النهضة الذي شهد أهم الحركات الأوربية التي أعادت إحياء الفنون والعلوم الكلاسيكية والتي كان من أشهر قنانيها: ليوناردو دا فينشي.. مايكل أنجلو ورفائيل والتي تجلت اهم أعمالهم في الموناليزا.. تمثال داود وسقف كنيسة سيستينا.
ونأتي إلى عصر الباروك حيث بدايات الفن الدرامي ذو الحركة القوية والتأثيرات الضوئية والتي برزت في أعمال كل من كارافاجيو ورمبرانت.
وعصر الروكوكو الذي تميز بالخفة والمرح والديكورات المزخرفة كلوحات فراغونار.
ثم التطور الذي واكب الحركات الكلاسيكية الجديدة والرومانسية الذي أعاد الفن الإغريقى والروماني من جديد مثل الذي تجسد في اعمال جاك لوى ديفيد.
وتمرد الرومانسية العقلاني الذي ركز على المشاعر الطبيعية مثل أعمال كل من ديلاكروا وجيريكو.
ليأتي بعد ذلك الواقعية الانطباعية التي اهتمت بالضوء واللون والتي تفنن فيها كل من مونيه و رينوار.
وتتوالى الحركات تباعا.. من واقعية وانطباعية
حركات الفن الحديث من تكعيبية "تحليل الأشكال الهندسية" وسريالية "تركز على الأحلام واللاوعي" وتعبيرية تجريدية "تعتمد على العاطفة والحركة" وفنون البوب "استلهام من الثقافة الشعبية" وفنون ما بعد الحداثة "الاعتماد على الفكرة أكثر من الشكل".
والتي برزت فيها أسماء هي علامات في تاريخ الحركات الفنية ومؤسسين لتلك الابداعات مثل بيكاسو وبراك.. سلفادور دالي ومارغريت.. جاكسون وبولوك.. أندي وارهول.. مارسيل دوشامب وجيف كونز وغيرهم الكثيرين الذي اثروا التاريخ الفني والإرث الإنساني على وجه الكرة الأرضية..
ثم ننتقل الآن إلى حركات الثقافة والفنون في وطننا العربى...
والتي بدأت مع الفن العربى الإسلامي في القرن 7-19م
والذي تميز بالخط العربي والزخرفة الهندسية كما يظهر في المساجد مثل المسجد الأموي والجامع الأزهر.
اتبعه بعده الأدب العربى الكلاسيكي والذي برزت فيه المعلقات وكتابات عظيمة خالدة مثل كتابات ابن خلدون والمتنبي..
وبدأت الموسيقى العربية في الازدهار حيث اشتهرت آلة العود والمقامات العربية مثل اعمال زرياب.
وولدت النهضة العربية في القرن 19 وأوائل القرن 20م
والتي تأثرت بالحركات الفكرية الغربية مع ظهور الصحافة والمسرح العربي
مثل أعمال مارون النقاش في المسرح.
كما ظهور الرواية الحديثة مع طه حسين ونجيب محفوظ.
وبزوغ حالة إحياء الموسيقى العربية مع سيد درويش ومحمد عبد الوهاب.
لينبثق من بعد كل ذلك ما عرف بالفن العربى الحديث من بدايات القرن 20 حتى الآن والتي كانت أهم سماتها.
الفن التشكيلي العربي:
والذي كان متأثرا بالفن العالمي مثل أعمال محمود مختار وشاكر حسن آل سعيد.
السينما العربية (1920 - الآن):
والتي بدأت مع بدايات السينما العالمية ومن روادها يوسف شاهين
وصلاح أبو سيف وغيرهم الكثيرين..
الأدب العربي الحديث:
برزت الرواية ولمعت في عصرها الذهبي مع نجيب محفوظ والطيب صالح والعديد والعديد من الكتاب البارعين.
الموسيقى الحديثة:
تأثرت بالموسيقى الغربية مع ظهور فرق مثل فيروز والأخوين رحباني
والفرق المستقلة والمطربين الموهوبين الذين غمروا السوق الغنائي على مدار سنين طويلة.
أواسط القرن ال 20 وحتى الآن ونحن في بدايات القرن 21 لم نشهد أي تطور او إنماء لكل ما فات!!!
وقبل أن أسترسل في موضوع مقالي اسمحوا لى ان أشرح سريعا أهمية معنى الحركات الفنية والثقافية للتاريخ الإنساني والشعوب والتي هي في نفس ذات الوقت موضوع مقالي!
تلعب الحركات الفنية والثقافية دورًا حاسمًا في تشكيل هوية الشعوب وتطورها، فهي ليست مجرد وسائل للتعبير الجمالي، بل أدوات قوية تؤثر على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية. فيما يلي أبرز الأهمية والتأثيرات لهذه الحركات:
"تشكيل الهوية الوطنية والثقافية"
تساعد الحركات الثقافية والفنية في تعزيز الهوية الوطنية
من خلال إبراز التراث والتقاليد المحلية في الأدب.. والموسيقى.. والسينما..
والفن التشكيلي.
كما تساهم في توحيد المجتمع عبر نشر القيم المشتركة
كما حدث في النهضة العربية التي أعادت إحياء اللغة العربية والهوية الثقافية
وهو ما نفتقده بشدة في أجيالنا الحالية بسبب تدهور حال اللغة والهوية الثقافية
بعد ظهور عصر الإنترنت ووسائل التواصل فيما سمى "بالعولمة"!!
مثال أخر..
"الفن الإسلامي" مثل الزخرفة والخط العربي ساعد في خلق طابع مميز للعالم الإسلامي في العمارة والفنون...
ومع عدم الالتزام بمثل هذه الفنون أصبح فن العمارة لا طابع مميز له بل أصبحت الشوارع أما خليطا غير متجانس من المدارس المعمارية
أو أصبحت بهوية غربية لا تتفق مع الهوية والثقافة العربية.
"التأثير على الفكر والتغيير الاجتماعي"
الفنون أصبحت أهم وسيلة للثورة الفكرية والتغيير الاجتماعي حيث ساهمت حركات مثل "عصر النهضة الأوروبية" في إطلاق الأفكار التنويرية التي أدت إلى "ثورات فكرية واجتماعية".
وكذلك أعادت تشكيل القيم الاجتماعية كما فعلت السينما والمسرح في العالم العربي في القرن العشرين.. حيث ناقشت قضايا اجتماعية مثل حقوق المرأة والعدالة الاجتماعية وغيرها من القضايا الهامة في حياة الشعوب.
وقد عملت على التأثير على الأخلاق والمعتقدات
الأدب والفن يقدمان نماذج تساعد في توجيه الأفراد وتشكيل رؤيتهم للعالم.
“دعم الحركات السياسية والاستقلالية”
استخدمت العديد من الحركات السياسية الفنون كوسيلة لنشر أفكارها وتعزيز الشعور الوطني..
مثل الفن المقاوم في "فلسطين" الذي جسد الهوية الوطنية ضد الاحتلال وكذلك العديد من الأمثلة الأخرى عبر تاريخ العالم كانت ومازالت وستكون.
ففي أوروبا لعبت "الثورة الفرنسية" دورًا في دعم الفن الكلاسيكي الجديد الذي جسد قيم الحرية والمساواة.
وفي الدول التي كانت مستعمَرة مثل" الهند ومصرو الجزائر وغيرها من البلدان" ساهمت الفنون في تعزيز الحركات التحررية.
"التأثير على الاقتصاد والتنمية"
التفاعل الإيجابي في الفن والسياحة
تعتبر الفنون والآثار الثقافية عامل جذب سياحي كبير مثل "باريس" بعروضها الفنية أو "مصر" بمعابدها الفرعونية واهراماتها العظيمة.
التفاعل الإيجابي في صناعة الثقافة
تفاعل قوى ناتج عن صناعات فنية مثل السينما والموسيقى والأدب والتي أصبحت من الصناعات الرائجة عالميًا وتحقق دخلًا اقتصاديًا وجذبا سياحيا ضخمًا.
خلق فرص عمل
الحركات الفنية تخلق وظائف للفنانين والمخرجين والكتّاب والموسيقيين بشكل مباشر وغير مباشر بشكل فعال مما يدعم الاقتصاد الإبداعي.
"التأثير على المشاعر والهوية الفردية"
تساعد الفنون على التعبير عن المشاعر والأفكار مما يعزز الصحة النفسية للأفراد.
حيث تعمل على تحفّيز الإبداع والابتكار ما ينعكس إيجابًا على تطور المجتمعات.
كما تمنح الأفراد فرصة للتواصل مع ثقافات مختلفة مما يعزز التسامح والتفاهم بين الشعوب.
وأخيرا وليس اخرا.. “دعم التكنولوجيا والتطور العلمي"
كان هناك ترابط قوي بين الحركات الفنية والتكنولوجية مثل "عصر النهضة" الذي شهد تطورات في الهندسة المعمارية والفنون.
كما في "العصر الحديث" حيث أثرت التكنولوجيا على الفنون من خلال ثورة ما عرف بـ: الذكاء الاصطناعي والفنون الرقمية..
مما أدى إلى ثورة في صناعة المحتوى.
خلاصة القول
تعتبر الحركات الفنية والثقافية قوة رئيسية في تغيير المجتمعات
فهي تعزز الهوية الوطنية...وتدعم الحركات الاجتماعية والسياسية..
كما تساهم في التنمية الاقتصادية وبالتالي يكون لها التأثير الأكبر على المشاعر والفكر وبالتالي السلوك الإنساني.
أنها وسيلة تواصل عالمي قوية وفعالة..
تتيح للثقافات المختلفة فهم بعضها البعض ولهذا السبب:
نجد أن الدول التي تستثمر في الثقافة والفنون تزدهر فكريًا واقتصاديًا وتكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية..
أما الدول التي لا تفعل ذلك..
يبقى حالها كما هو حال معظم الدول في عالمنا العربى الآن!!!
بدون هوية.. بدون ثقافة.. بدون حضارة
وبالتالي ...بدون تاريخ
وهنا أطرح تساؤلاتى الأخيرة..
بعد كل ما حدث للوطن العربى خلال ما يزيد عن 20 عاما مضت من نزاعات وخروب وثورات الربيع العربى..
كيف لم تتمخض كل تلك الظروف عن ثورات فنية وثقافية؟!
وأين ذهبت؟! وإلى أين ذهب الفن العربى؟!
وإلى أين ذهبت ثقافات الوطن العربى؟!!
وإلى أي حال أصبح عقل الشعوب العربية الأن؟!!
وهل اقتصر عالم الفنون كله في مسلسلات رمضان وأفلام المنصات فقط؟!!
وهل مناهج الثقافة أصبحت مجرد تفاهات "وسائل التواصل الاجتماعي وليس الكتاب؟!!
وسؤالي الأخير
من هي الدولة التي لديها القدرة والمؤهلات بل والفرصة على قيادة ثورة ثقافية وفنية تغيير من شكل الوطن العربى اليوم؟!!
التعليقات