في الخامس عشر من يوليو عام 1905، قدم الروائي موريس لوبلان للعالم شخصية أرسين لوبين الملقب بـ اللص الظريف؛ لاقت روايات أرسين لوبين إقبالاً كبيرًا، وقد حوّلت معظم رواياته إلى أفلام سينمائية ومسلسلات كرتونية للأطفال كما ترجمت إلى عدة لغات.
يظهر اللص الظريف أرسين لوبين، أنه الشخص الذي يناسب مثل هذا العالم المليء بالأحداث المشبوهة أنه دائما يظهر عند اللزوم، ووجوده يبدو أمراً وجوبياً مثلما حدث في الرواية الأولى التي نشرت عام 1907 وظهر فيها لوبين لأول مرة تحت عنوان أرسين لوبين اللص الظريف ثم توالت هذه الأعمال.

في الحقبة الزمنية اللاحقة لانتشار شخصية لوبين، ظهر أكثر من لوبين في مصر، منهم حافظ نجيب، صاحب المغامرات الوطنية الشهير والذي تم تجسيد حياته في مسلسل "فارس بلا جواد" للفنان محمد صبحي، ثم يتحول النشال عبد العزيز النص إلى لوبين جديد، حتى تُحفظ سيرته في كتاب بعنوان مذكرات نشال، يُعاد نشره مؤخرًا بتصرف، ثم تتحول المذكرات إلى عمل درامي في رمضان 2025 بعنوان "النُص"، بطولة فريق متناغم للغاية، أكثر من رائع.
في موسم درامي ملئ بالألفاظ المسيئة والإشارات والتلميحات المغرضة، وهو الأمر الذي لفت أنظار العامة والخاصة، وكأن هناك اتفاق على إبراز هذا الوجه القبيح من الشخصية المصرية بشكل مبالغ فيه، وهو أمر بعيد عن دور الدراما المهمومة بالتثقيف والتعليم بقدر أكبر بكثير من همها بنقل واقع يحدث من عدد قليل للغاية وفى أماكن بعيدة، أو كما يُقال: ما يحدث في الحارات على استحياء، وهو مرفوض من أهل هذه الحارات، لا يجب أن أستخدمه في الدراما وأنشره على العالم أجمع.
ناهيك عن أن أمر مثل هذا يحمل إساءة إلى الشخصية المصرية، يحمل إساءة إلى فريق العمل نفسه، يحمل إساءة إلى الفنان الذي يتلفظ بمثل هذه العبارات المسيئة، لذا أهيب بكل فنان مصري، أناشده بأن يرفض نطق مثل هذه الألفاظ، لا أقول يعتذر عن العمل، بل يطلب تغييرها، لأنها بطبيعة الحال لا تخدم الدراما أبدًا، وهناك عشرات البدائل تخدم بشكل أكبر، لكنها تخدم اتجاه الإساءة والتشويه، وهو اتجاه لابد أن ينأى كل فنان بنفسه عنه، فالدراما محفوظة للتاريخ، والتاريخ لا يرحم.
في ظل هذه الظروف الدرامية، ينجو عدد قليل من الأعمال الدرامية بنفسه من الوقوع في الفخ، من هذه الأعمال مسلسل النُص.
بطولة: أحمد أمين، في دور عبد العزيز النص. أسماء أبو اليزيد، في دور رسمية . صدقي صخر، في دور الصاغ عُلوي. حمزة العيلي، في دور درويش، عبدالرحمن محمد، في دور زقزوق. سامية الطرابلسي، في دور عزيزه. دنيا سامي، عيشه. ميشيل ميلاد بشاي، في دور إسماعيل. وأحمد طارق، مراد مكرم، ياسر الطوبجي، محمد حسني، يوسف إسماعيل، سمر علام، دعاء حكم، رضوى جودة، محمد ناصر، باسم قهار، جميل عزيز، أشرف مهدي، أمجد عابد، باسم موريس عدلي، هشام الشاذلي، عماد الراهب، أحمد المدني، كريم الكاشف. إﻧﺘﺎﺝ: أروما، تامر مرتضى، محمد جبيلي. تأليف: شريف عبدالفتاح - عبدالرحمن جاويش - وجيه صبري. ﺇﺧﺮاﺝ : حسام علي.
مسلسل النُص يقدم حالة من الكوميديا ويأخذنا من طريق نشال تائب إلى حالة من الوطنية ومقاومة المحتل.
استطاع فريق العمل، بشكل متكامل، أن ينقلنا إلى روح المكان والزمان، كما استطاع أن يخلق حالة من الروح الوطنية وإعلاء قيمة الانتماء إلى الوطن، مصر، ومعرفة أنها كنز حقيقي بذلت الإمبراطورية البريطانية كل ما تستطيع في سبيل احتلاله والتمتع بخيراته، هذا الوطن هو من حق أولاده، ومقاومة المحتل (قديمًا وحديثًا) أمر لا جدال فيه.
يتعاون في المقاومة كل أطياف الشعب، النُص الذكي الظريف التائب، ورفاقه، حتى الضابط علوي المكلف بالقبض على النُص ورفاقه ينضم إليهم، في إشارة واضحة إلى أن مقاومة المحتل والطامع فرض عين على كل أبناء الوطن.
الحالة الدرامية "النظيفة" التي خلقها مسلسل النصُ، لم تكن في حاجة على الإطلاق إلى كتائب إلكترونية تُشيد بالعمل، ولم يحدث أن تجيشت لها الأقلام والقنوات لتفرضها على الجماهير (وكثير من الجماهير تسير وفق نظرية شهيرة في علم النفس اسمها غريزة القطيع)، إنما تحركت النفوس النقية التي شعرت بقيمة العمل وأهميته لتتحدث عنه، تحدثت بلا صخب، بلا كتائب إلكترونية، والمعدن النفيس يفرض نفسه يا سادة وإن علت الأصوات وهتفت الحناجر لفرض عمل ما.
حالة التناغم، الهدوء التي كان عليها فريق مسلسل النُص وصلت إلى القلوب في هدوء، فريق عمل اجتهد وذاكر كل كلمة وكلة حركة وكل تفصيلة، اشتغلوا بحب، وهذا ما أكده أبطال العمل في تصريحاتهم عبر الوسائل المختلفة، فهذا الفنان الذي خلق حالة خاصة في دراما الحقبة الزمنية الحالية حمزة العيلي، يتحدث عن مايستروا المسلسل أحمد أمين ويصفه ويصف تعاونه وتفانيه بأجمل العبارات.
وهذه الجزئية بالتحديد غاية في الأهمية، فهناك مَن يعتقد أن ظهوره المستمر وأن تسليط الكاميرا عليه طوال الحلقات أمر يصب في صالحه، بل يطلب أن يظهر في الكادر و إن كان لا يتحدث..!! وهناك مَن يعتقد أن نجاح أحد أفراد العمل سوف يؤثر على نجاحه ويقلل من نجوميته..!!
وهذا خطأ، ومَن عمل به بحثًا عن النجومية تلاشت نجوميته، فالنجم الحقيقي، في أي مكان أو في أي عمل أو في أي مؤسسة، هو الذي يدرك أن نجاح أي فرد (أي زميل) يساعد في نجاحه، وتألق الجميع ونجاحهم هو نجاح للعمل وبالتالي نجاح له هو شخصيًا، وهذا هو أحمد أمين، الفنان المثقف، تشعر ببصمة روحه في كل تفاصيل العمل وإن لم يظهر على الشاشة، استطاع خلق حالة حقيقية لهذا اللص الظريف، التائب، الذي لا يسرق فقير ويمد يد العون للمحتاج، إنه اللص الشريف أرسين لوبين الغلابة.
وفى الأخير هو عمل يُضاف إلى قائمة طويلة من الأعمال الدرامية المتميزة في مكتبتنا الدرامية، عبر مجموعة من الأبطال أمام وخلف الكاميرا، جميعهم أبطال ولا أختص أحدهم بالحديث، إنما كلماتي لهم جميعًا: أحسنتم وفى انتظار الجزء الثاني، أو عمل جديد على نفس درجة الجودة والإتقان، فأنتم فريق رائع.. استمروا معًا.
التعليقات