ما أسهلَ الكلام على من لا يعيش حياتك، وما أيسرَ إطلاق الأحكام على من لا يعرف تفاصيل أيامك، وما أبشعَ النصيحة حين تأتي من شخصٍ لا يعلم بما تمرّ به.
كثيرون ينظرون إلى الموقف من خارجه، فيحسبون أن القرار سهلٌ، والحل واضحٌ، والطريق مستقيمٌ؛ ثم يبدأون في تقديم النصائح وكأنهم عاشوا التجربة، وواجهوا الظروف نفسها، وتحملوا النتائج ذاتها. والحقيقة أن ما يبدو بسيطًا لمن ينظر من بعيد، قد يكون بالغ التعقيد لمن يعيشه.
ولعلّ من أبلغ ما يذكّرنا بأن النصيحة ليست دائمًا كما تبدو، ما جاء في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، حين قال إخوته لأبيهم: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: 11]. فقد جاءت كلماتهم في صورة النصح والحرص والرعاية، غير أن ما أخفته تلك الكلمات لم يكن كذلك؛ إذ كشفت الأحداث بعد ذلك أن وراء تلك النصائح دوافع أخرى. وهنا نتعلم أن ليس كل من قال: «أنا أنصحك» كان ناصحًا، فبعض النصائح قد تختبئ خلفها غيرة، أو حسد، أو مصلحة، أو رغبة في توجيه الإنسان إلى ما يخدم صاحب النصيحة لا من تُقدَّم إليه.
ومن أبشع النصائح تلك التي تُقال أمام الناس لا رغبةً في الإصلاح، بل مباهاةً وإظهارًا للحكمة والمعرفة، أو رغبةً في الظهور بمظهر الناصح الفاهم أمام الآخرين. فالنصيحة التي لا تنفع إلا إذا قيلت على الملأ، والتي تتحول أمام الناس إلى كشفٍ للعيوب وتعديدٍ للأخطاء، ليست نصيحة، وقد لا تكون إلا فضيحةً في ثوب النصيحة. فالناصح الصادق لا يبحث عن جمهورٍ لكلماته، ولا عن التصفيق لحكمته، بل يبحث عن إصلاح من ينصحه، وصون كرامته، وحفظ مشاعره.
وفي هذا المعنى قال الإمام الشافعي:
تَعَمَّدني بِنُصحِكَ في اِنفِرادي
وَجَنِّبني النَصيحَةَ في الجَماعَه
فَإِنَّ النُصحَ بَينَ الناسِ نَوعٌ
مِنَ التَوبيخِ لا أَرضى اِستِماعَه
وَإِن خالَفتَني وَعَصِيتَ قَولي
فَلا تَجزَع إِذا لَم تُعطَ طاعَه
فالنصيحة بين الناس قد تفقد أثرها، وتتحول إلى توبيخٍ وجرحٍ وإحراج، حتى لو كانت الكلمات في ظاهرها صحيحة. أما النصيحة الصادقة، فيجب أن تكون في الوقت المناسب، والمكان المناسب، وبالأسلوب الذي يحفظ للإنسان كرامته، ويجعل من الكلمة طريقًا إلى الإصلاح لا سببًا للإحراج.
وليس كل صمتٍ ضعفًا، ولا كل تراجعٍ جبنًا، ولا كل تأخيرٍ إهمالًا، ولا كل قرارٍ خاطئًا لمجرد أنه لا يتوافق مع رؤيتك. هناك تفاصيل أخرى - خاصة - لا تُرى، وظروف لا تُحكى، وأسباب قد لا يرغب الإنسان في كشفها، وربما لا يملك أصلًا القدرة على شرحها.
لذلك، لا تتعجل في نصح إنسانٍ قبل أن تعرف ظروفه. لا تطلب منه أن يسلك الطريق الذي تراه مناسبًا، وأنت لا تعرف العقبات التي تقف في طريقه. ولا تقارنه بنفسك؛ فما استطعتَ أنت تجاوزه في ظروفك، قد يكون مختلفًا تمامًا عما يواجهه غيرك في ظروفه.
النصيحة الحقيقية لا تبدأ بالكلام، بل بالفهم والسؤال — إن سُمح لك — والاستماع، ومحاولة إدراك الصورة كاملة. وقد يكون أجمل ما تقدمه لإنسانٍ يمر بظرفٍ صعب ألا تنصحه أصلًا، بل أن تمنحه مساحةً يتحدث فيها دون حكم، ويعبّر فيها دون ملامة.
وليس معنى ذلك أن النصيحة مرفوضة، بل إن النصيحة حين تكون في موضعها، ومن الشخص المناسب الصادق النية الذي يُحيط بظروف الأمر ويدرك أبعاده، قد تكون سندًا عظيمًا. أما النصيحة التي تأتي بلا معرفة، ولا فهم، ولا تقدير للظروف، فقد تتحول من مساعدةٍ إلى عبء، ومن كلمةٍ طيبة إلى جرح.
فلا تحكم على ما لا تعرف، ولا تنصح في أمرٍ لم تُحِطْ به خُبرًا، ولا تتحدث عن حياة إنسانٍ وكأنك عشتها بدلًا عنه.
فلكل إنسانٍ معركته التي لا تراها، وحكايته التي لا تعرفها، وأسبابُه التي قد لا يقولها لأحد.
التعليقات