ليست المشكلة في أن نقرأ كثيرًا، ولا في أن نتعمق في الكتب والأفكار، فالمعرفة لا تُفسد الإنسان، بل الذي قد يفسده هو أن يقرأ حتى ينسى نفسه ويضيع شخصيته.
هناك نوع من الهوس بالقراءة يجعل القارئ، مع كل كتاب جديد، يرتدي شخصية جديدة، ويتبنى هوية جديدة، ويتشكل وفق ما يريده الكاتب أو ما يطرحه الكتاب.
يقرأ.. فيتقمص…
يقتبس.. فيتبنى…
يطرح.. فيناقش…
يعجب.. فيعيد النشر…
ثم يأتي كتاب جديد، فتبدأ الدورة من جديد.
إعجاب مؤقت، إعادة نشر، اقتباس، نقاش، ثم شخصية جديدة.
وهكذا، كتابًا بعد كتاب، وشخصية بعد شخصية، تضيع ملامح القارئ الأصلية بين السطور والحروف؛ حتى لا يعود يعرف: أين تنتهي أفكار الكاتب وأين تبدأ أفكاره هو ؟!!!
والمؤسف أن بعضهم يجعل من ذلك ديدن حياته، فيحسب أنه وصل، وأنه امتلك الثقافة، وأنه أصبح صاحب شخصية فكرية وهوية معرفية، وأنه يفقه ويُحسن صنعًا ويستفيد ويفيد غيره، بينما قد يكون العكس صحيحًا تمامًا.
فالقراءة ليست أن تجمع أكبر قدر من الأفكار، ولا أن تحفظ أكثر العبارات، ولا أن تصبح نسخة متقنة من كل كاتب أعجبك.
القراءة الحقيقية أن تدخل إلى الكتاب بشخصيتك، وتخرج منه بشخصية أكثر وعيًا؛ لا بشخصية الكاتب.
اقرأ أفكارهم، ولكن لا تسلّمهم عقلك.
تأثر بهم، ولكن لا تفقد ذاتك.
ناقشهم، ولكن لا تجعل أصواتهم أعلى من صوتك الداخلي.
خذ من كل كتاب ما يضيف إليك، واترك ما لا يشبهك، وأعد تشكيل ما قرأت وفق تجربتك وعقلك ووعيك.
فالثقافة ليست أن تعرف ماذا قال الآخرون، بل أن تعرف ماذا تقول أنت بعد أن اطّلعتَ على أفكارهم وفطِنتَ لأيديولوجياتهم.
وأن تكون قارئًا حقيقيًا، لا يعني أن تحمل في داخلك ألف شخصية لكُتّاب قرأت لهم؛ بل أن تقرأ ألف كتاب، ثم تبقى قادرًا على أن تقول:
هذه أفكارهم… وهذا ما فهمته أنا… وهذه رؤيتي التي تشكلت بعد أن قرأت لهم.
لذلك، اقرأ كثيرًا، تعمق، ناقش، اختلف، استفد…
لكن لا تسمح للكتب أن تسرق منك شخصيتك وهويتك.
يقول الإمام الشافعي -: (من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام)
ومعنى قول الإمام الشافعي - رحمه الله - هنا ليس ذمَّ الكتاب والقراءة، وإنما الحثُّ على أخذ العلم عن أهله بالتلقي والمجالسة، لا بالاعتماد المجرّد على القراءة من الكتب والصحف دون معلّمٍ يوجّه ويصحح ويضع المعرفة في سياقها الصحيح. فالعلم لا يُورث بالتلقي وحده، ولا تُبنى الشخصية الفكرية بكثرة ما نقرأ، وإنما بما نفهمه ونختبره ونحوّله إلى وعيٍ خاص بنا.
وهنا يلتقي المعنى مع ما أريد قوله: فالكتاب يفتح لك باب المعرفة، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن العقل والوعي والتجربة والحوار؛ لأن القراءة بلا تمحيص قد تجعل الإنسان يحمل أفكار غيره، بينما القراءة الواعية تجعله يفهمها، ويناقشها، ثم يبني منها رؤيته وشخصيته الخاصة الراسخة.
إذاً، فالشخصية لا تُبنى بكثرة ما نقرأ، ولا بعدد الكتّاب الذين نتأثر بهم، وإنما بقدرتنا على أن نقرأ للجميع، ثم نعود إلى أنفسنا. أن نأخذ من الكتب ما يوسّع معرفتنا، لا ما يمحو ملامحنا؛ وأن تتعدد أمامنا الأفكار، بينما تبقى لنا شخصيةٌ واحدة، تتطور وتنضج، لكنها لا تذوب مع آراء الآخرين.
اقرأ كثيرًا.. ولكن لا تجعل كل كتابٍ يخلق لك شخصيةً جديدة؛ اجعل كل كتابٍ يضيف شيئًا إلى شخصيتك أنت.
فالغاية من القراءة أن تجد نفسك بين السطور، لا أن تضيع شخصيتك بين أروقة الكتب.
التعليقات