يقول المولى عز وجل في محكم كتابه:
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾
[النساء: 122]
ويقول سبحانه:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
[التوبة: 105]
ويقول جلّ وعلا:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾
[الذاريات: 22]
ومن هنا، وبعد أن تحدثنا في الجزء الأول عن الذكاء الاصطناعي بوصفه صناعةً بشرية، وعن حاجة الإنسان إلى حوكمته وضبط مساراته، يأتي سؤال آخر أكثر قربًا من الإنسان وحياته اليومية:
هل ينبغي أن نخاف من الذكاء الاصطناعي لأنه سيأخذ أعمالنا ووظائفنا ومواهبنا؟
لا شك أن هذا التخوف له ما يبرره في بعض جوانبه؛ فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل، وقد يؤدي بالفعل إلى اختفاء بعض الوظائف أو تغير طبيعة كثير منها، كما قد يستبدل بعض المهام التي كانت تؤدى بواسطة الإنسان.
لكن في المقابل، قد يكون جزء من هذا الخوف قد تحول إلى مادة إعلامية هلامية واسعة، تُضخّم أحيانًا لصالح شركات أو جهات ترى في الذكاء الاصطناعي فرصة لإعادة هيكلة أعمالها، وتقليل التكاليف، وتقليص أعداد الموظفين، وزيادة الأرباح.
وهنا ينبغي أن نفرّق بين أمرين:
تطور التقنية حقيقة، والخوف الذي يصاحبها قد يكون أحيانًا صناعةً إعلامية وتجارية.
أما الاطمئنان الحقيقي للإنسان، فلا ينبغي أن يكون قائمًا على توقعات الشركات أو العناوين الإعلامية، وإنما على يقينه بالله سبحانه وتعالى، وبما جاء في كتابه من حقائق لا تتغير بتغير التقنية والأسواق والوظائف.
فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.
فإذا كان الله هو الأصدق قولًا، فإن وعده أصدق من كل توقع بشري، وأقوى من كل تحليل اقتصادي، وأبقى من كل تقنية مهما بلغت من التطور.
وهو سبحانه الرزاق، الذي قال:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.
فالرزق ليس مربوطًا بوظيفة بعينها، ولا بشركة بعينها، ولا بتقنية بعينها، ولا بمنصب قد يتغير أو ينتهي.
وقد تتغير الوظائف، وتتبدل المهن، وتظهر تخصصات جديدة، وتختفي أخرى، لكن رزق الإنسان لا يُختزل في المسمى الوظيفي الذي يحمله اليوم.
ثم يأتي التوجيه الإلهي العملي:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾.
اعملوا.
وهذه الكلمة وحدها كافية لتصحيح كثير من المخاوف.
فالقرآن لا يدعو الإنسان إلى القعود انتظارًا للرزق، ولا إلى الخوف من المستقبل، وإنما يدعوه إلى العمل.
اعمل، وتعلم، وطوّر نفسك، واكتسب مهارات جديدة، وواكب عصرك، واستفد من أدواته، ولكن لا تجعل الأداة تلغي صاحبها.
ومن هنا، فإن المطلوب في عصر الذكاء الاصطناعي ليس أن نكون ضد التقنية، ولا أن نستسلم لها، وإنما أن نكون أذكى في التعامل معها.
نحتاج إلى العمل الذكي، والعمل الصادق، والعمل المتطور، والعمل المواكب للمستقبل؛ عمل لا يلغي وجود الإنسان، ولا يلغي أهميته، ولا يتخلى عن موهبته وخبرته وقدرته على التفكير والإبداع.
فأنت أيها الإنسان:
أنت الذي صنعت الذكاء الاصطناعي.
وأنت الذي طوّرت خوارزمياته.
وأنت الذي زوّدته بالبيانات.
وأنت الذي حددت له المهام.
وأنت الذي تضع له القواعد والضوابط.
وأنت الذي تستطيع أن تستفيد منه بدل أن تخشى منه.
فلماذا تجعل ما صنعته بيدك مصدرًا لإلغاء ذاتك؟
إن الذكاء الاصطناعي قد يغيّر طريقة العمل، لكنه لا ينبغي أن يغيّر قيمة الإنسان.
وقد يستبدل مهمةً كان يؤديها الإنسان، لكنه في المقابل قد يفتح مهامًا وأعمالًا ومجالات لم تكن موجودة من قبل.
والتاريخ الإنساني مليء بالتقنيات التي غيّرت المهن وأعادت تشكيل سوق العمل، لكنها لم توقف الإنسان عن العمل، بل نقلته من مرحلة إلى أخرى.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا؟
بل:
هل سنعرف كيف ننتقل نحن إلى الوظائف والمهارات التي يصنعها المستقبل؟
وهنا تظهر أهمية استشراف المستقبل.
فالاستشراف لا يعني أن المستقبل سيكون دائمًا كما نتوقعه، بل يعني أن نستعد لاحتمالات متعددة، وأن نفهم أن التقنية نفسها ليست خطًا مستقيمًا لا يتغير.
قد نصل إلى تطورات هائلة لم نشهد مثلها من قبل، وقد تتغير أنماط الحياة والعمل والتعليم والإنتاج بصورة لم نكن نتخيلها.
ولكن، في المقابل، قد تحدث أزمات أو أعطال أو كوارث تقنية ورقمية تعيد بعض القطاعات إلى أساليب أكثر تقليدية.
تخيل مثلًا أن تتعرض منظومة رقمية ضخمة لعطل واسع، أو أن تتوقف خدمات أساسية تعتمد عليها مدن ومؤسسات بأكملها.
قد تكون هناك مبانٍ ومشروعات وأنظمة استغرق إنشاؤها سنوات، لكنها في لحظة واحدة قد تتعطل بسبب خلل تقني أو فضائي أو رقمي.
ولهذا ظهرت مفاهيم مثل استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث والمرونة التشغيلية، لأن الاعتماد الكامل على التقنية دون وجود بدائل قد يحول القوة التقنية نفسها إلى نقطة ضعف.
ومن هنا، فإن المستقبل ليس رقميًا بصورة مطلقة، كما أنه ليس تقليديًا بصورة مطلقة.
إنه مزيج متداخل بين الإنسان والتقنية، بين الخبرة والآلة، بين المعرفة والبيانات، وبين المهارات الرقمية والمهارات الإنسانية.
وقد تكون هناك وظائف ومهن لا تعتمد اعتمادًا كاملًا على الذكاء الاصطناعي أو الأمن السيبراني أو الحياة الرقمية، وستظل لها قيمتها وأهميتها في أزمنة مختلفة، وربما تكون أكثر قدرة على الصمود في بعض الظروف.
فالإنسان لا يعيش بالآلة وحدها.
ولا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محل كل ما في الإنسان من خبرة وتجربة وحدس ومسؤولية وقيم وعلاقات ومشاعر وقدرة على التعامل مع الواقع المتغير.
ومن هنا فإن الحكمة ليست في أن نختار بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.
الحكمة أن نعرف كيف نجعل الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان، لا أن نجعل الإنسان تابعًا لما صنعه بنفسه.
وعندما نؤمن بأن الرزق بيد الله، فإننا لا نتوقف عن العمل، بل نعمل ونحن أكثر طمأنينة.
نواكب التطور، ولا نخاف منه.
نتعلم، ولا نتجمد.
نستخدم التقنية، ولا نسمح لها أن تستخدمنا.
نستشرف المستقبل، ولا نعيش أسرى للخوف منه.
فالله سبحانه وتعالى قال:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾.
ولم يقل: اقعدوا وانتظروا.
وقال:
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.
وقال:
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.
وهنا تستقر الطمأنينة:
قد تتغير الوظيفة، وقد تتغير المهنة، وقد تتغير الأدوات، وقد تتغير طريقة العمل، لكن لا ينبغي أن يتغير يقين الإنسان بأن رزقه عند الله، وأن عليه أن يعمل ويسعى ويطور نفسه ويأخذ بالأسباب.
فالذكاء الاصطناعي ليس نهاية الإنسان.
بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة من تاريخ الإنسان؛ مرحلة يصبح فيها التحدي الحقيقي ليس في أن تنافس الآلة، وإنما في أن تعرف ما الذي لا ينبغي للآلة أن تنتزعَه من الإنسان: عقله، وقيمه، وإرادته، وكرامته، ومسؤوليته، وقدرته على صناعة المعنى.
ومن الصُّنع والاصطناع إلى الذكاء الاصطناعي، يبقى الإنسان هو البداية، ويبقى العمل طريقه، ويبقى الرزق بيد الله.
فاصنع مستقبلك، ولا تخف من صنيعك؛ وطوّر أدواتك، ولا تتخلَّ عن قيمتك؛ واعمل، فالله يرى عملك.
التعليقات