قال الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76] آيةٌ قصيرةٌ في ألفاظها، عظيمةٌ في معناها؛ تضع العلم مهما اتسع، والمعرفة مهما بلغت، في موضعها الحقيقي أمام علم الله سبحانه وتعالى الذي لا يحدّه زمان ولا مكان.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الآية أكثر حضورًا ونحن نشهد تطورًا تقنيًا لم يعد يتوقف عند تنفيذ الأوامر وانتظار الأسئلة، بل أصبح قادرًا على تحليل الأنماط، وربط المعلومات، وفهم السياقات، وتقديم اقتراحات قد تسبق السؤال نفسه.
فلم يعد السؤال فقط:
ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعرف؟
بل أصبح السؤال الأعمق:
ماذا يمكن أن يعرف عن الإنسان من خلال ما يفعله، وما يبحث عنه، وما يقرأه، وما يختاره؟
لقد اعتاد الإنسان أن يفتح محرك البحث، ويكتب ما يريد، ثم ينتظر النتائج.
أما اليوم، فإن تطور الأنظمة الذكية يدفعنا نحو مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا تنتظر فيها التقنية السؤال كاملًا، وإنما تحاول فهم السياق الذي يقف خلفه.
فإذا كان الإنسان يبحث باستمرار عن موضوع معين، أو يقرأ في مجال محدد، أو يتابع نوعًا من المحتوى، أو يكرر نمطًا معينًا من عمليات البحث، فقد تستطيع الأنظمة الذكية – بحسب البيانات المتاحة لها والصلاحيات الممنوحة لها – أن تستنتج بعض اهتماماته وتقدم له نتائج أو اقتراحات أكثر ارتباطًا بما تتوقع أنه يريده.
وهنا ينتقل البحث من مفهوم «اكتب ما تريد» إلى مفهوم أكثر تطورًا:
«نحن نعرف ما قد تريد قبل أن تكتبه.»
وهذا التحول ليس مجرد تطور في سرعة البحث، وإنما تغير في العلاقة بين الإنسان والمعلومة.
في الماضي، كان الإنسان يبحث عن المعلومة.
ثم أصبحت المعلومة تظهر أمام الإنسان من خلال التوصيات والاقتراحات.
وقد نصل إلى مرحلة تصبح فيها الأنظمة قادرة على توقع الحاجة إلى المعلومة قبل أن يطلبها الإنسان أصلًا.
وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا إثارة للتأمل في مستقبل الذكاء الاصطناعي:
هل سيظل الإنسان هو الذي يبحث عن المعلومات، أم ستبدأ المعلومات في البحث عن الإنسان؟
إن الذكاء الاصطناعي لا ينظر دائمًا إلى السؤال منفصلًا عن صاحبه، بل يمكنه – عندما تتوفر له بيانات كافية ومشروعة – أن يتعامل مع السؤال ضمن سياق أوسع: اهتمامات المستخدم، وطريقة بحثه، والموضوعات التي يكررها، والأنماط التي تظهر في استخدامه للتقنية.
وهذا يعني أن البحث قد يصبح أكثر شخصية من أي وقت مضى.
فشخصان يكتبان العبارة نفسها في محرك البحث، قد لا يحصلان بالضرورة على التجربة نفسها؛ لأن النظام قد يحاول تخصيص النتائج والتوصيات وفق السياق المتاح لكل مستخدم.
ومن هنا تظهر فكرة أكثر تعقيدًا:
الشخص الافتراضي
وهو تصور لنموذج رقمي يحاكي بعض أنماط الشخص واهتماماته وتفضيلاته وسلوكه الرقمي، بحيث تستطيع الأنظمة الذكية بناء صورة احتمالية عن احتياجاته واختياراته.
فقد تتعلم الخوارزمية أن شخصًا ما يميل إلى موضوعات معينة، أو يفضل أسلوبًا محددًا في الحصول على المعلومات، أو يهتم بمجالات بعينها، أو يكرر أنواعًا معينة من البحث، فتبدأ بتقديم محتوى واقتراحات تتوافق مع هذا النمط.
ومع تطور التقنية، قد لا يكون الأمر مجرد معرفة ما يحبه الإنسان، وإنما محاولة بناء نموذج رقمي يتنبأ بما قد يفعله أو يختاره أو يبحث عنه لاحقًا.
وهنا يصبح لدينا نوع جديد من العلاقة بين الإنسان والآلة.
فالآلة لا تكتفي بأن تقول:
«هذا ما طلبته.»
بل قد تقول:
«ربما هذا ما ستحتاج إليه بعد قليل.»
وهذه نقلة كبيرة في مفهوم الذكاء.
فالذكاء التقليدي ارتبط في كثير من الأحيان بالقدرة على الإجابة عن السؤال.
أما الذكاء الاصطناعي المتقدم، فيتجه أكثر نحو القدرة على التوقع والاستنتاج والتخصيص.
لكن هنا يجب أن نتوقف قليلًا.
فالتنبؤ ليس معرفةً مطلقة.
والاحتمال ليس يقينًا.
والخوارزمية مهما بلغت قدرتها على تحليل الأنماط، فإن الإنسان ليس معادلةً ثابتة.
فالإنسان قد يغير رأيه، وقد يتراجع عن قراره، وقد يفاجئ نفسه قبل أن يفاجئ الآخرين.
وقد يبحث اليوم عن شيء، ثم يغير اهتمامه غدًا.
وقد يتخذ قرارًا لا تستطيع ملايين البيانات السابقة أن تتنبأ به.
وهنا يظهر الفرق العميق بين محاكاة السلوك وفهم الإنسان.
قد تستطيع الآلة أن تتعلم نمط الإنسان، لكنها لا تعني بالضرورة أنها فهمت الإنسان بكل أبعاده.
فالإنسان ليس مجرد بيانات.
وليس مجرد عمليات بحث.
وليس مجرد سجل من الاختيارات.
وراء كل اختيار قصة، ووراء كل قرار تجربة، ووراء كل رغبة شعور، ووراء كل إنسان عالم داخلي لا يمكن اختزاله بسهولة في مجموعة من الأرقام والاحتمالات.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي.
فكلما أصبحت الأنظمة أكثر قدرة على توقع ما نريد، أصبح الإنسان بحاجة أكبر إلى أن يسأل نفسه:
هل أنا الذي أختار، أم أن كثرة الاقتراحات بدأت تؤثر في اختياراتي؟
فحين تقترح عليك الخوارزمية كتابًا، أو مقطعًا، أو منتجًا، أو موضوعًا، أو خبرًا، قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد مساعدة.
لكن تكرار هذه الاقتراحات يمكن أن يصنع مع الوقت بيئة معلوماتية خاصة بكل شخص؛ يرى فيها بعض الأشياء أكثر من غيرها، ويتعرض لأنواع معينة من المحتوى أكثر من غيرها.
ومن هنا لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للوصول إلى المعلومات، بل يصبح جزءًا من البيئة التي يتشكل داخلها اهتمام الإنسان.
وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر:
إذا كانت الخوارزمية تستطيع أن تتعلم من اختيارات الإنسان، فهل يستطيع الإنسان أن يظل مستقلًا تمامًا عن تأثير الخوارزمية؟
إن القضية هنا ليست اتهام التقنية، ولا رفض التطور، وإنما فهم العلاقة الجديدة التي تتشكل بين الإنسان والآلة.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر على الإنسان ساعات طويلة من البحث، ويساعده في الوصول إلى المعلومات، ويختصر له الخيارات، ويرتب له
المعرفة، ويقترح عليه ما قد يكون مناسبًا لاحتياجاته.
وهذه فوائد عظيمة لا يمكن إنكارها.
لكن الفائدة الحقيقية تظهر عندما تبقى الإرادة الإنسانية حاضرة.
فالآلة تقترح، والإنسان يقرر.
والخوارزمية تحلل، والإنسان يحكم.
والنظام يتنبأ، والإنسان يختار.
وهنا يجب ألا نفقد واحدة من أهم قدرات الإنسان:
القدرة على أن يقول: لا.
لا للاقتراح.
لا للتوقع.
لا لما تقوله الخوارزمية.
لا لأن ما تقترحه الآلة ليس بالضرورة ما يناسب الإنسان.
فالحرية الحقيقية لا تعني فقط أن تكون لديك خيارات كثيرة، وإنما أن تكون قادرًا على اختيار ما تريده أنت، لا ما تم دفعك إليه دون أن تشعر.
وقد يصبح المستقبل أكثر إثارة عندما تتطور فكرة الشخص الافتراضي بصورة أكبر.
فقد نشهد أنظمة قادرة على بناء نماذج رقمية أكثر تفصيلًا عن أنماط المستخدمين، بحيث تستطيع التنبؤ باحتياجاتهم اليومية، وترتيب أولوياتهم، واقتراح ما يناسبهم، وربما تنفيذ بعض المهام بالنيابة عنهم.
وقد يصبح لكل إنسان، بصورة أو بأخرى، مساعد رقمي شديد الخصوصية يعرف أسلوبه في العمل، وطريقة بحثه، وتفضيلاته، واحتياجاته المتكررة.
وهنا يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي أقرب إلى مرآة رقمية للإنسان.
مرآة لا تعكس صورته فقط، وإنما تعكس بعض عاداته واهتماماته وقراراته وأنماط سلوكه الرقمي.
لكن المرآة مهما كانت دقيقة لا تصبح الإنسان نفسه.
وهذه نقطة يجب ألا نغفل عنها.
فالتقنية تستطيع أن تحاكي الأسلوب، لكنها لا تملك بالضرورة الروح التي صنعت ذلك الأسلوب.
وتستطيع أن تتعلم الكلمات، لكنها لا تعيش التجربة التي جعلت الإنسان يقولها.
وتستطيع أن تتوقع القرار، لكنها لا تعيش الصراع الداخلي الذي سبق اتخاذه.
وتستطيع أن تقلد الإبداع، لكن يبقى السؤال قائمًا حول معنى الإبداع الإنساني نفسه.
ولهذا فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد سباق في زيادة سرعة المعالجة أو عدد البيانات، وإنما سيكون سباقًا في فهم العلاقة بين الآلة والإنسان.
كيف نجعل الآلة أكثر قدرة دون أن نجعل الإنسان أقل قدرة؟
كيف نجعل البحث أسرع دون أن نجعل التفكير أضعف؟
كيف نجعل الوصول إلى المعلومة أسهل دون أن نفقد متعة اكتشافها؟
كيف نستفيد من التوقع دون أن نتنازل عن حرية الاختيار؟
وكيف نجعل التقنية تعرف ما نحتاج إليه، دون أن تسمح لها بأن تقرر بالنيابة عنا ما ينبغي أن نحتاج إليه؟
هذه الأسئلة لن تكون أسئلة تقنية فقط.
إنها أسئلة إنسانية وفكرية وأخلاقية سترافق الأجيال القادمة.
ومن هنا نعود إلى الآية الكريمة:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
فمهما بلغ الإنسان من العلم، ومهما بلغت الخوارزميات من القدرة على التحليل والتنبؤ، يبقى علم الإنسان محدودًا، وتبقى الآلة من صنع الإنسان، ويبقى الإنسان نفسه مخلوقًا في هذا الكون الذي أحاط الله سبحانه وتعالى بكل شيء علمًا.
ومن الصُّنع والاصطناع إلى الذكاء الاصطناعي، تتغير الأدوات، وتتطور الخوارزميات، وتتسع قدرة الآلة على التعلم والتوقع.
لكن السؤال الذي سيبقى حاضرًا دائمًا هو:
هل نحن نصنع ذكاءً اصطناعيًا لخدمة الإنسان، أم أننا نصنع عالمًا يصبح فيه الإنسان جزءًا من منظومة تتنبأ به أكثر مما يفكر هو في نفسه؟
ربما يكون أعظم إنجاز في المستقبل ليس أن تستطيع الآلة أن تعرف ما نريد، وإنما أن يظل الإنسان قادرًا على معرفة لماذا يريد ما يريد.
فحين تعرف الآلة إجابة السؤال، يبقى للإنسان شرف أن يسأل:
لماذا؟
وحين تستطيع الخوارزمية أن تتوقع اختياره، يبقى للإنسان حق أن يختار.
وحين تستطيع التقنية أن تحاكي حياته، يبقى الإنسان هو الأصل.
وهنا تكمن قيمة الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي:
أن تتطور الآلة دون أن يتراجع العقل،
وأن تتسع المعرفة دون أن تضيق البصيرة،
وأن يصبح العالم أكثر ذكاءً، دون أن يفقد الإنسان إنسانيته.
التعليقات