قال الله تعالى في خطابه لنبيّه موسى عليه السلام: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ [طه: 39]
أي: لتُربّى وتُنشّأ وتُحاط بعناية الله سبحانه وتعالى ورعايته وحفظه، حتى تبلغ الغاية التي أعدّك لها.
وفي تفسير الدكتور فاضل السامرائي هو: أن ينشئ الله سبحانه وتعالى سيدنا موسى عليه السلام ويربيه بالصورة التي يريدها ابتداءً، ويهيئ له المكان والظروف تحت رعايته وحفظه وعنايته المباشرة.
وقال سبحانه: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: 41]
أي: اخترتك واصطفيتك وأعددتك لمهمة عظيمة، وهي حمل الرسالة والقيام بما كلّفك الله به.
وفي تفسير ابن كثير
في مشروع المصحف الإلكتروني بجامعة الملك سعود.
أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولا لنفسي، أي : كما أريد وأشاء.
فالآيتان، في سياقهما القرآني، تتحدثان عن عناية الله تعالى بسيدنا موسى عليه السلام، وإعداده واصطفائه وتكليفه بالرسالة. وليستا حديثًا عن الذكاء الاصطناعي، وإنما يمكن أن نستفيد من دلالات ألفاظهما في تأمل مفهوم «الصنع» و«الاصطناع» في عصرنا.
ومن هنا نصل إلى واحدة من أعظم صناعات الإنسان في العصر الحديث: الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي، قبل أن يكون «ذكاءً»، هو صناعة بشرية؛ صنعه الإنسان، وأعدّه، ودرّبه، وغذّاه بالبيانات، وطوّر خوارزمياته، ثم اختار له مجالات العمل والمهام التي يريد منه القيام بها.
فالإنسان هو صاحب الصنع والإعداد والتدريب والتخصيص والتكليف لهذه الأنظمة.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أحاط موسى عليه السلام بعنايته وأعدّه لمهمة عظيمة، فإن الإنسان في عالم التقنية يقوم، بصورة مختلفة تمامًا ولا تقارن بالمقام الإلهي، بصناعة أنظمة الذكاء الاصطناعي وإعدادها وتدريبها وتحديد المهام التي ستؤديها.
وهنا تظهر دلالة لفظ «الاصطناعي» نفسه.
فالذكاء الاصطناعي اصطناعي لأنه مصطنع من الإنسان؛ وهو ليس عقلًا بشريًا آخر، وإنما ثمرة تراكم معرفي وتقني صنعه البشر، وجمعوا فيه الخوارزميات والبيانات والقدرة الحاسوبية، ثم جعلوه قادرًا على التعلم والتحليل واكتشاف الأنماط والتنبؤ وتقديم المخرجات.
ومن هنا يمكن القول:
الإنسان صنع الذكاء الاصطناعي ليعينه على التعامل مع عالم أصبحت بياناته أكبر من قدرة الإنسان الفرد على استيعابها.
فالبيانات اليوم هي قلب هذه المنظومة؛ وكلما اتسعت البيانات، ولا سيما البيانات الكبيرة (Big Data)، ازدادت الحاجة إلى أنظمة قادرة على معالجتها وتحليلها بسرعة ودقة، واستخراج الأنماط والمؤشرات منها، بما يساعد على تسريع الإجراءات ودعم اتخاذ القرار.
ولا تقتصر فوائد الذكاء الاصطناعي على معالجة البيانات وتحليلها؛ فقد أصبح أداةً تساعد الإنسان في مجالات متعددة، من تحسين الكفاءة والإنتاجية، وتسريع إنجاز الأعمال والإجراءات، إلى دعم البحث العلمي، وتحليل المعلومات، واكتشاف الأنماط التي قد يصعب على الإنسان ملاحظتها في الكميات الهائلة من البيانات.
كما يمكن أن يسهم في تطوير الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم المؤسسات في التخطيط واتخاذ القرار، وتعزيز الأمن والسلامة، والمساعدة في اكتشاف بعض المخاطر والجرائم والأنشطة غير المشروعة من خلال تحليل البيانات وربط المؤشرات ببعضها، فضلًا عن قدرته على أتمتة بعض المهام المتكررة وتوفير الوقت والجهد.
وبذلك لا يكون الذكاء الاصطناعي بديلًا عن الإنسان بالضرورة، وإنما يمكن أن يكون أداةً تعزز قدرته وتوسع نطاق عمله؛ فالإنسان يضع الغاية، والآلة تساعده في الوصول إليها بسرعة أكبر، ومعالجة معلومات أكثر، ورؤية أنماط قد لا يستطيع العقل البشري وحده الإحاطة بها.
ولكن هنا تبدأ القضية الأكثر أهمية.
إذا كان الإنسان هو الذي صنع الذكاء الاصطناعي، ودرّبه، وحدد مهمته، وأمدّه بالبيانات، فمن يضع الحدود التي تحكم استخدامه؟
وهنا تظهر إشكالية حوكمة الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة كبيرة، بينما تحتاج القوانين والأنظمة إلى وقت طويل حتى تُصاغ وتُناقش وتُقرّ وتُطبق. كما أن الاتفاق على قواعد موحدة للذكاء الاصطناعي بين جميع دول العالم ليس أمرًا سهلًا؛ بسبب اختلاف التشريعات الوطنية، والمصالح الاقتصادية، والسياسات العامة، والثقافات القانونية، ومستويات التطور التقني، فضلًا عن اختلاف النظرة إلى الخصوصية والبيانات والأمن والسيادة والمسؤولية.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة معاصرة:
تقنية عالمية لا تعترف بالحدود، أمام قوانين لا تزال في معظمها محكومة بحدود الدول.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يعبر الحدود في ثوانٍ، وأن يتعامل مع بيانات ومستخدمين ومؤسسات موجودة في دول متعددة، بينما قد تختلف القواعد القانونية التي تحكم استخدامه من دولة إلى أخرى.
ومن هنا تصبح حوكمة الذكاء الاصطناعي تحديًا عالميًا لا يقتصر على سنّ قانون داخل دولة واحدة، بل يتطلب قدرًا كبيرًا من التنسيق والتعاون والتفاهم الدولي حول مبادئ مشتركة تتعلق بالشفافية، وحماية البيانات، والخصوصية، والأمن، وعدم التمييز، والمسؤولية، والمساءلة، والاستخدام الآمن والأخلاقي لهذه التقنيات.
والسؤال هنا ليس فقط:
هل نستطيع صناعة ذكاء اصطناعي أكثر قدرة؟
السؤال المنطقي:
هل نستطيع أن نضع له حوكمة توازي قدرته؟
وهذه ربما هي القضية الأهم في المرحلة القادمة؛ لأن سرعة التطور التقني قد تجعل الإنسان قادرًا على صناعة أنظمة أكثر ذكاءً وتعقيدًا مما تستطيع التشريعات الحالية مواكبته.
ولهذا، فإن مسؤولية الإنسان لا تنتهي عند لحظة صناعة الذكاء الاصطناعي، بل تبدأ منها.
فهو الذي يصنع، وهو الذي يدرّب، وهو الذي يختار البيانات، وهو الذي يحدد الغاية، وهو الذي يكلّف النظام بالمهمة، وهو الذي ينبغي أن يتحمل مسؤولية وضع الضوابط التي تمنع إساءة استخدامه.
ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقة التأملية بين الصنع والاصطناع والذكاء الاصطناعي:
فالذكاء الاصطناعي مصنوع بيد الإنسان، ومُعدّ ببياناته، ومُدرّب بخوارزمياته، ومُكلّف بمهامه؛ ولذلك فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يتوقف على مدى ذكاء الآلة فحسب، بل على مدى حكمة الإنسان الذي يصنعها، وعلى قدرته على حوكمتها والتحكم في مساراتها، وعلى وضع الحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها.
أما الصنع والاصطناع في الخطاب الإلهي، فهما في سياقهما القرآني أعمق من مجرد صناعة أو إعداد؛ إنهما مرتبطان بعناية ربانية، وقدرة إلهية، وتقدير محكم، وعلم بالغاية والسبب والمآل، لا يحيط بها صنع الإنسان ولا يقارن بها.
فالإنسان يصنع، لكنه لا يملك مطلق القدرة؛ ويخطط، لكنه لا يحيط بكل الأسباب والمآلات؛ ويضع الغايات، لكنه لا يستطيع أن يضمن دائمًا النتائج. كما أنه يستطيع أن يضع للذكاء الاصطناعي أطرًا للحوكمة والتحكم، لكنه يظل عاجزًا عن الإحاطة المطلقة بكل ما قد ينتج عن تعقيداته وتطوره وتفاعلاته.
أما القدرة الإلهية، فهي محيطة بالخلق والتقدير والعلم والحكمة، سبحانه وتعالى؛ عنايةٌ ربانية لا تحدّها حدود، وقدرةٌ لا يعجزها شيء، وعلمٌ محيط بالأسباب والغايات والمآلات.
ومن هنا، فإن السؤال لا يعود فقط:
هل يستطيع الإنسان أن يصنع ذكاءً اصطناعيًا أكثر قدرة؟
لكن:
هل يستطيع أن يحوكم ما صنع؟ وهل يستطيع أن يتحكم في مساره، ويعرف حدود قدرته، ويضمن ألا يتجاوز ما وضعه له من غايات؟
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون التحدي الأكبر أمام البشرية هو أن تجعل الآلة أكثر ذكاءً؛
بل أن تجعل الإنسان أكثر وعيًا بمسؤوليته عن الذكاء الذي صنعه، وأكثر قدرة على حوكمته والتحكم فيه، وأكثر إدراكًا لحدود صنعه أمام عناية ربانية وقدرة إلهية لا يحيط بها عقل ولا تحدّها قدرة.
والأهم من ذلك، ألا يتحول ما صنعه الإنسان ليعينه إلى وسيلةٍ تُقصيه هو نفسه؛ فلا ينبغي أن يقود التوسع في الذكاء الاصطناعي إلى تقويض أعمال الإنسان ووظائفه، حتى يجد نفسه خارج منظومة العمل التي صنعها بيده.
فالغاية ليست أن تحل الآلة محل الإنسان، وإنما أن تكون تقنيةً توسّع قدراته، وتخفف أعباءه، وتفتح له مجالات جديدة للعمل والإبداع، وتحفظ مكانته ودوره وقيمته.
فإذا كان الإنسان هو الذي صنع الذكاء الاصطناعي، فعليه أن يجعله شريكًا في الإنجاز وأداةً للتقدم، لا سببًا في إلغائه.
ومن الصُّنع والاصطناع إلى الذكاء الاصطناعي، تبقى أعظم مسؤولية ليست في أن نصنع ما يستطيع أن يعمل بدلًا منا، بل أن نصنع ما يجعلنا أكثر قدرةً على العمل، وأكثر وعيًا بقيمة الإنسان، وأكثر حكمةً في إدارة ما صنعناه.
التعليقات