حتى العيوب جعلها الله لأسباب ؛ فلا يوجد إنسانٌ مكتملٌ عقلًا، وروحًا، وجسدًا، وعلمًا، وعملًا، وتعامُلًا، وتدبيرًا ؛ فالكمال المطلق لله وحده سبحانه وتعالى، صنعًا وخَلْقًا وتدبيرًا ومُلْكًا وشأنًا وعدلًا وكرمًا وإدراكًا وحكمةً وعظمةً وموعظةً.
ولذلك، جعل الله في الخلق اختلافًا ونقصًا وعيوبًا لأسباب لا ندركها كلها ؛ فلو اكتمل البشر بلا عيوب . لما بقيت في الحياة مساحاتٌ نتعلّم فيها من بعضنا، وننصح بعضنا، ونصبر على بعضنا، ونتسامح، ونتجاوز، ونراجع أنفسنا .
فلو كان الجميع بلا عيوب ؛ لربما أصبحت الحياة:
صفر عيوب، وصفر تعامل، وصفر تواصل، وصفر نصائح، وصفر تجارب، وصفر خسائر، وصفر أرباح، وصفر متعة .
فالعيب أحيانًا هو الذي يعلّمنا كيف نكون أفضل، والخطأ يوقظ فينا معنى الصواب، والنقص يجعلنا نعرف قيمة الزيادة، والمرض ينبهنا لقيمة الصحة .
وصح فكر من قال: «رَحِمَ الله امرَأً أهدى إليَّ عيوبي»
فما هي العيوب ؟ أهي _ فقط _ ما نراه في الآخرين ولا نراه في أنفسنا ؟
أم أن العيب الحقيقي هو ألّا نعرف عيوبنا، أو أن نعرفها ولا نحاول إصلاحها ؟
ربما ليست الحكمة في أن نبحث عن إنسان صفر عيوب ؛ لأنَّ هذا الإنسان لن نجده .
الحكمة أن نعرف عيوبنا، ونستفيد من عيوب الآخرين ؛ لنتعلّم كيف نتعامل معها، وكيف نصبر عليها، وكيف نصلح ما نستطيع إصلاحه منها، وقد صدق محمد حسنين هيكل الصحافيّ المشهور حين قال : " العاقل من يتعلم من خطئة، والذكيّ من يتعلم من أخطاء الآخرين "، وهناك فرق بين العاقل والذكي !
إدارة العيوب لديَّ ولدى غيري :
أكرر وأقول _ ربما _ لا تكمن الحكمة في أن أتخلص من كل عيوبي أو بعضها، ولا في أن أطالب الآخرين بالتخلص من عيوبهم أو جزءاً منها ؛ فبعض العيوب جزءٌ من طبيعة الإنسان، وإنما الحكمة في إدارتها .
فالدبلوماسية، أن أعرف عيوبي قبل أن أعيب غيري، وأن أعرف متى أُصلحها، ومتى أحتملها، ومتى أعتذر عنها، ومتى أضع لها حدودًا حتى لا تؤذي نفسي أو غيري .
وكذلك عيوب الآخرين، ليست كلها سواء .
فمنها ما يُنصح، و يُتجاوَز، ويُحتمل، و يحتاج إلى جهد جهيد، ومنها ما لا يجوز أن نقبله إذا تحوّل إلى أذى .
فإدارة العيوب ليست تبريرًا لها، وليست دعوةً لقبول الخطأ ؛ بل هي وعيٌ بالإنسان كما هو، ومحاولةٌ لأن يكون أفضل ممّا هو عليه.
يقول الإمام الشافعي :
نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا
وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا
وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ
وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا
عيوب كبار السن:
قد تظهر لدى بعض كبار السن عيوباً أو طباعاً يصعب على من حولهم التعامل معها، وقد تكون مرتبطة بالعمر، وبتراكم التجارب، وبتغيّر الاحتياجات، أو بطريقة مختلفة في التفكير .
وهنا نحتاج إلى الصبر والاحترام وفهم اختلاف المراحل العمرية .
فليس كل ما نراه في كبير السنِّ عيبًا ينبغي تغييره، وليس كل اختلاف في التفكير دليلًا على الخطأ ؛ فقد يكون وراء بعض الطباع تاريخٌ طويل من التجارب لا نعرفه
وفي المقابل، فإن احترام كبير السنّ لا يعني أن نقبل منه كل سلوك مؤذٍ ؛ فالاحترام شيء، والتعامل مع الأذى شيء آخر .
عيوب الثقافات :
ليست كلُّ عيوب _ من وجهة نظرنا _ في الثقافات والمجتمعات المختلفة عنا، أو أشياء نراها عيوبًا، بينما تراها تلك المجتمعات جزءًا جوهرياً من عاداتها وتقاليدها وطريقة حياتها .
فليس كل اختلاف عيبًا ...
فقد نختلف في طريقة التفكير، والعادات، وأسلوب التواصل، ومفهوم الأسرة والعمل والخصوصية والضيافة والعلاقات الاجتماعية ...
ولهذا ينبغي أن نطَّلِعَ ونفهم قبل أن نحكم، وأن نفرّق بين الاختلاف الثقافي وبين السلوك الذي يحمل أذىً وظلمًا أو انتقاصًا للآخرين .
فاحترام الثقافات لا يعني قبول كل ما فيها، كما أن اختلافنا معها لا يعني احتقاراً لأصحابها، فخذ مثالاً بيننا كعرب والفلبينيين !
عيوب الأزواج :
ثم تأتي الحياة الزوجية، حيث يلتقي شخصان يحمل كل واحد منهما تاريخه، طباعه، عاداته، نقاط ضعفه، وطريقة تفكيره .
فالزواج ليس اجتماع شخصين كاملين، وإنما اجتماع شخصين يحاول كل منهما أن يفهم الآخر، ويتعامل مع عيوبه، ويصلح من عيوبه هو قبل أن يطالب شريكه بالإصلاح .
وفي الزواج : ليست المشكلة دائمًا في وجود العيب، وإنما في طريقة التعامل معه .
فقد يكون العيب صغيرًا، لكن طريقة التعامل معه تجعله كبيرًا .
وقد يكون العيب كبيرًا، لكن الحكمة والصبر والحوار تجعل التعامل معه ممكنًا .
والزواج الناجح ليس زواجًا بلا عيوب، وإنما علاقة يعرف فيها كل طرف عيوب الآخر، ويعرف متى يصبر، ومتى يتحدث، ومتى يتنازل، ومتى يضع حدًا، ومتى يبحث عن حل ؛ حتى تشق السفينة عُبَابَ البحر ...
عيوب الطلاق :
أمّا الطلاق، فقد يكون في بعض الحالات نهايةً لعلاقة لم يعد استمرارها ممكنًا أو صحيًا، وقد يكون أحيانًا نتيجة تراكم أخطاء، وسوء فهم، وعجز عن إدارة الاختلاف وإدارة العيوب .
والطلاق لا ينبغي أن يتحول إلى معركة لإثبات من المخطئ ومن المصيب، ولا إلى تصفية حسابات تُهدر فيها الكرامة .
وهذا _ غالباً _ ما يحدث للأسف !
فالانفصال قد ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا ينبغي أن ينهي الاحترام الإنساني، خصوصًا عندما يكون هناك أبناء .
وهذا يحتاج لعقل راجح من أحد الطرفين على الأقل !
وقد يكشف الطلاق عيوبًا كانت مخفية، أو أخطاءً لم تُعالج، أو قرارات متسرعة، أو عدم قدرة على فهم احتياجات الطرف الآخر .
ولذلك فإن بعض العيوب تحتاج إلى إصلاح، وتهذيب، وعلاج، وصبر، أو وضع حدود، وحبٍّ و ودٍّ، وبعضها لا يمكن الاستمرار معها إذا تحولت إلى أذى .
المهم أن نعرف الفرق ... أن نعرف متى نصبر، وننصح، ونُصلح، ونعتذر، ونتجاوز، ونبتعد، ومتى نقول : يكفي.
فليس المطلوب أن نعيش حياةً صفر عيوب، ولكن المطلوب أن نعيش بوعي يجعل عيوبنا أقلَّ ضررًا، وأكثر إصلاحاً، وأعمق فهمًا للإنسان ؛ فلا كمال إلّا لله عزّ وجل .
التعليقات