الإرهاب الصهيونى بلا عقاب.. إلى متى؟

الإرهاب الصهيونى بلا عقاب.. إلى متى؟

د . محمد يونس

الحصار المشدد الذى يفرضه المستوطنون وقوات الاحتلال الإسرائيلى على منازل عائلات فلسطينية ببلدة قُصرة جنوبى نابلس، لأكثر من أسبوعين هو إحدى صور الإرهاب الصهيوني– كما يصفه السفير الامريكى لدى الكيان- وحلقة جديدة فى سلسلة من الاعتداءات الممنهجة، بهدف تهجير الفلسطينيين قسرياً، فى ظل غياب شبه تام للمساءلة القانونية.

تشير الأرقام الموثقة إلى ارتفاع حاد ومستمر فى اعتداءات المستوطنين الإرهابية خلال السنوات الخمس الأخيرة. وتتنوع أشكالها بين إطلاق الرصاص، وإحراق المنازل والسيارات وتقطيع أشجار الزيتون، وسرقة المواشى، فوفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (أوتشا): ارتفع عدد هجمات المستوطنين من 852 هجوما عام 2022 إلى 1,291 عام 2023، ثم 1,449 عام 2024.. وخلال النصف الأول من عام 2025، تجاوز عدد الاعتداءات الإجمالية (بما فيها اعتداءات الجيش) 11 ألف اعتداء. ووثق المكتب أكثر من 1300 هجوم للمستوطنين منذ مطلع العام 2026، بمعدل يتجاوز 6 اعتداءات يومياً.

وعلى صعيد الخسائر البشرية، منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى أكتوبر 2025، استشهد 999 فلسطينياً فى الضفة الغربية، بينهم 20 على يد المستوطنين بشكل مباشر. وفى عام 2025 وحده، استشهد 242 فلسطينياً على يد قوات الاحتلال والمستوطنين. كما أصيب 733 فلسطينياً فى اعتداءات المستوطنين عام 2024، وهو ضعف العدد المسجل عام 2023. كما تم هدم أكثر من 1,100 منشأة فلسطينية عام 2025، وشُرد أكثر من 10,000 فلسطينى منذ أكتوبر 2023 نتيجة عمليات الهدم واعتداءات المستوطنين والقيود على الوصول، وأثرت هجمات المستوطنين على أكثر من 230 مجتمعاً فى الضفة الغربية.

ما يميز السنوات الأخيرة ليس فقط زيادة عدد الاعتداءات، بل «مأسسة» الإرهاب الصهيونى، حيث تقف الحكومة الإسرائيلية وراء هذا التصاعد، فقد أعلن وزير الأمن القومى بن غفير فى أكتوبر 2024 توزيع 170 ألف قطعة سلاح على الإسرائيليين خلال 8 أشهر. ووفقا لوزارة الأمن القومى فإن عدد حاملى السلاح المدنى ارتفع من 170 ألف شخص قبل 7 أكتوبر 2023 إلى 300 ألف..هذا الإجراء جعل من كل مستوطن متطرف ميليشيا إرهابية.

ولا يقتصر الدور الحكومى على تسليح المستوطنين، بل يمتد إلى توفير الغطاء الأمنى المباشر. فقد خلصت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إلى أن «السلطات الإسرائيلية مكنت مستوطنين عن طريق الدعم المالى والعسكرى من مهاجمة الفلسطينيين «.وأكدت أن قوات الأمن الإسرائيلية كانت «ترافق المستوطنين، وعملت على حمايتهم وهم يمارسون العنف». ويؤكد مركز المعلومات الإسرائيلى لحقوق الإنسان «بتسيلم» أن عنف المستوطنين «ليس مبادرات فردية بل هو عنف الدولة»، وأن الجهات الرسمية «تسمح به، وتتيح تنفيذه، وتشارك فيه».

إن تصنيف هذه الأعمال كـ «عمليات إرهابية» ليس مجرد توصيف سياسى، بل هو توصيف قانونى دقيق؛ فهى أعمال عنف تُرتكب ضد مدنيين لتحقيق أهداف سياسية وأيديولوجية. ومع ذلك، فإن السمة الأبرز لهذا الإرهاب هى الغياب المطلق للعقاب،

فالنظام القضائى الإسرائيلى يتعمد التغافل عن هذه الجرائم، حيث تظهر الإحصاءات أن أكثر من 90% من ملفات التحقيق فى اعتداءات المستوطنين تُغلق دون توجيه لوائح اتهام. وإذا ما تمت الإدانة، تكون الأحكام هزلية. فنحن أمام إرهاب دولة يسلحه الوزير بن غفير ويحميه جيش الاحتلال ويتغافل عنه النظام القضائى الإسرائيلي! ورغم الإدانات الدولية الخجولة وفى مقدمتها العقوبات الرمزية التى فرضتها بعض العواصم الغربية مؤخراً على عدد محدود جداً من المستوطنين، فإن إدارة ترامب ألغت العقوبات التى كانت إدارة بايدن فرضتها على مستوطنين متطرفين، مما بعث برسالة واضحة بأن عنف المستوطنين لا يحظى بعقاب دولى جاد.

إن استمرار إرهاب المستوطنين فى الضفة الغربية والقدس، وفى غزة (من خلال الاغتيالات ومنع المساعدات ومحاولات إعادة الاستيطان) هى سياسة دولة ممنهجة تستهدف السيطرة على الممتلكات وترحيل الفلسطينيين قسراً عن أراضيهم. وينفذ بعضها بأدوات غير رسمية لتجنب المساءلة الدولية. وطالما استمر هذا الإفلات من العقاب، فإن الفلسطينيين سيظلون يواجهون حرب إبادة صامتة تستهدف بقاءهم على أرضهم. لذا فإن المجتمع الدولى مطالب بأن يتحمل مسئولياته بفرض عقوبات حقيقية ورادعة، ليس فقط على المستوطنين الإرهابيين، بل على المسئولين السياسيين والعسكريين الذين يمولون ويحمون ويشجعون هذه الجرائم الإرهابية المنظمة بحق الشعب الفلسطينى.

التعليقات