في أعماق التجربة الأنثوية، يقيم صراع لا يهدأ بين قوتين متقابلتين: الطموح والأمان. ليسا خيارين عابرين، بل قطبان وجوديان يجذبان الروح في اتجاهين متضادين ظاهريًا، متكاملين جوهريًا. فالمرأة تجد نفسها، مهما اختلفت ظروفها، ممزقة بين ذاتٍ تطمح لإثبات مكانتها عبر الإنجاز، وغريزة تبحث عن المأوى النفسي والطمأنينة في حضنٍ يحتضنها بلا شروط.
وهنا يتصاعد السؤال الفلسفي: هل الطموح في جوهره مجرد وسيلة معقّدة للحصول على الأمان في عالم لا يعترف إلا بالقوة؟ أم أن الأمان نفسه ليس إلا محطة مؤقتة في رحلة أطول نحو تحقيق الذات؟
هذا التوتر الوجودي تجسد بعمق درامي في فيلم تيمور وشفيقة. لم تكن شفيقة مجرد موظفة تتسلق المناصب، بل وزيرة بلغت ذروة السلطة والنفوذ. ورغم ذلك، لم تنزل من عرشها العالي إلا في لحظة مواجهة فاصلة: حين وقفت أمام رجل مستعد أن يفتديها بحياته. في تلك اللحظة لم تُهزم شفيقة الوزيرة، بل انكشفت شفيقة الإنسانة؛ فاكتشفت أن الأمان الذي لاحقته في قاعات السلطة وجدته في بساطة قلبٍ يخاف عليها أكثر مما تخاف على نفسها.
لكن هنا تنشأ المفارقة:
- شفيقة الطموحة تدافع عن صعودها: المنصب عندها ليس وجاهة فقط، بل درع وجودي يحميها من هشاشة وضعها في مجتمع ذكوري، وصوت يصد عنها التهميش. الطموح بالنسبة لها هو وسيلة البقاء.
- في المقابل، شفيقة الباحثة عن الأمان ترد: أي حصن أقوى من رجل مستعد أن يموت من أجل أن يحياكِ؟ ألم يثبت تيمور في لحظة واحدة أن كل سلطة العالم لا تعادل دفء سند إنساني صادق؟
غير أن المعضلة لا تقف عند حدود شفيقة وحدها، بل عند تيمور نفسه. هنا جاءت الانتقادات على الفيلم: هل كان من حقه أن يرفض طموحها بدعوى أنه لا يحتمل أن تكون صاحبة منصب أعلى بينما هو مجرد ضابط حراسة؟ أهو حبّ حقيقي منحها المعنى الأعمق من السلطة، أم نزعة سلطوية ذكورية أرادت أن تضع الطموح الأنثوي في قفص "الأمان" الذي يحدده الرجل؟
الإجابة لا تُحسم بسهولة. لأن ما رأته شفيقة في النهاية لم يكن استسلامًا لطموح مكسور، بل لحظة كشف: أن الأمان المطلق، حتى لو جاء من خارج السلطة، قادر على هزيمة العرش حين يحضر في صورته الصافية.
الصراع إذًا باقٍ: بين شفيقة الطموحة التي ترى الطموح غاية وجودية، وشفيقة الباحثة عن الأمان التي ترى فيه وسيلة للسلام الداخلي. بين رجلٍ يَظهر كقيدٍ على طموحها، ورجلٍ يَظهر في نفس اللحظة كأقصى ما يمكن أن تنشده من معنى.
وهكذا يبقى السؤال معلّقًا في أفق التجربة الأنثوية:
هل الطموح عند المرأة غاية في ذاته، أم طريق متعرج نحو الأمان؟
ولماذا، رغم كل المناصب، لا يُهزم الخوف الأساسي بداخلها إلا حين تجد قلبًا صادقًا يواجه الموت من أجلها؟
شفيقة أجابت بقرارها، لا بكلماتها. أجابت حين نزَلت من عرشها فقط لتستقر في حضن الأمان.
التعليقات