نولد في هذه الدنيا ونحن محاطون بقوالب خفية، أشبه بهياكل غير مرئية، ترسم ملامح مساحتنا الأولى: قوالب العائلة، المجتمع، التعليم، العادات، وحتى تصوراتنا عن أنفسنا. بعضها يتسع مع نموّنا، يتشكّل وفق حركتنا، كقالب يلين كلما دفعناه إلى الخارج. ومنها ما هو صلب خانق، يحيط بنا كجدار ضيّق لا يسمح إلا بالتنفس بالكاد.
كل إنسان يعيش داخل قالبه، لكن اختلافنا يتجلّى في تعاملنا معه. فهناك من يرضى بالحيّز الصغير، يرى ضيقه أمانًا، ويتصالح مع سكونه، كطائر يقنع بالقفص لأنه لا يعرف معنى الطيران. هؤلاء يجدون في ضيق القالب راحة بال، إذ لا يُطلَب منهم صراع أو مغامرة أو وجع توسعة.
وهناك آخرون لا يرضون بالجمود. ينحتون في جدران قوالبهم، يوسّعونها كلما نما وعيهم واشتدّت رؤاهم. هؤلاء يرفضون أن تتحوّل مساحتهم الداخلية إلى سجن. كل خطوة وعي بالنسبة لهم هي دفعة في حدود القالب، حتى يغدو القالب مرآة لطموحهم، لا قيدًا على وجودهم.
لكن تأتي لحظة فارقة، لحظة مأساوية في مسار البعض: حين يبلغون حدّ القالب الأقصى. يدركون فجأة أن الظروف، أو الزمن، أو القيود الاجتماعية، قد شدّت جدران القالب إلى حد لا يسمح بمزيد من الاتساع. هناك، يتحوّل الطموح إلى خنق، والحلم إلى عبء، والنمو إلى لعنة.
في تلك اللحظة يتعرّى الإنسان أمام هشاشته: إمّا أن يتصالح مع المساحة التي وصل إليها، ويعيد تعريف نفسه داخلها، أو أن يظلّ يرتطم بالجدران حتى تنهكه الروح وربما تُزهَق. كم من إنسان مات قبل أوانه لا لأن جسده خانَه، بل لأن روحه اختنقت في قالب لا يسعها.
الدنيا إذن ليست قاسية لأنها تضعنا في قوالب فحسب، بل لأنها تختبرنا بما نصنعه بها. فهل نرضى بالراحة الضيقة، أم نغامر لنوسّع حدودنا؟ وهل نملك الحكمة لنعرف متى نكفّ عن الدفع، ومتى نُسَلِّم أن بعض القوالب لم تُخلَق لتتحطّم بل لنتعلّم كيف نتنفس داخلها؟
إن سرّ الإنسان ليس في القالب ذاته، بل في العلاقة بينه وبين حدوده: هل يُطوّعه ليكون فضاءً للنمو، أم يستسلم حتى يغدو قبرًا لروحه؟
التعليقات