في مسارات الروح المتعرجة، نلتقي بأرواحٍ تنقشُ حضورها على صفحات قلوبنا، نمنحهم مقاعدَ في محرابِ أسرارنا، ونفتحُ لهم أبوابَ الروح على مصراعيها، فيصبحون كالنقش في الصخر، لا يمحوه الزمن. لكن بين غفلةٍ وانتباه، تتهاوى الأقنعة كأوراق الخريف، وتتكشف المواقف التي، وإن بدت في ظاهرها هينة، تحفرُ في جدار الثقة شرخاً عميقاً، فتُزاح غشاوة الوهم عن البصيرة، ونرى الحقيقة بوضوحٍ يقطع نياط القلب.
ليس في الأمر خيانة صارخة، ولا جُرمٌ يُساق إليه المتهم مكبلاً بالأغلال، بل هي لحظة إدراكٍ كومضة البرق في ليلٍ حالك، تُعيد رسم خارطة العلاقات بأكملها، وتُبدّل مواقع الأشخاص في مملكة الفؤاد. نظل في الظاهر كما كنا، نحمل ذات الابتسامة المعهودة، نتحدث بذات اللغة المألوفة، لكن في الأعماق، شيء ما قد خبا نوره، وانطفأت جذوته، وتحول الدفء إلى رمادٍ بارد.
من يُغادر محراب القلب لا يعود إليه، ليس انتقاماً أو عقاباً، بل لأن السحر الأول قد تلاشى، والوهج الذي كان يُنير دروب العلاقة قد تبدد كالضباب أمام شمس الحقيقة. ليس الأمر عناداً يستعصي على المنطق، ولا قسوةً تُجافي الرحمة، بل هو طبيعة النفس حين تصل إلى يقينٍ راسخٍ كالجبال، وقناعةٍ لا تزعزعها الرياح.
قد يظن الآخرون أن كل شيء لم يتغير، أن النهر ما زال يجري في مجراه، أن الزهرة لم تذبل، لكن الحقيقة أن القلب قد أُوصد، وأُحكمت عليه مائة مفتاح وقفل، ليس خوفاً من الألم، بل لأن الباب لم يعد يستحق أن يُفتح من جديد.
هذا ليس اعتزالاً للحياة، وليس قسوةً على النفس أو الآخرين، بل هو سلامٌ داخلي عميق، واكتفاءٌ بما تبقى من ضوء في مصباح الروح، وحكمةٌ اكتسبتها النفس من جروحها التي تحولت شهب تعزوا السماوات لتنير الطريق من جديد.
التعليقات