راسل كرو، هذا الرشيق الرياضي كتمثال منحوت في فيلم Gladiator (المصارع) عام 2000 والرقيق كعبقري في فيلم A Beautiful Mind 2001 (عقل جميل) استطاع أن يستغل هذه السمنة الطارئة التي حدث له مؤخراً وأن يوظفها المخرج في إشراكه في فيلم Unhinged (المختل) فيصبح وكأنه صَنَعَ هذه السمنة المفرطة بجسده خصيصاً ليمثل هذا الفيلم، إنها براعة من ممثل متميز أن يستغل كل امكانات جسده ويوظفها لصالح فيلم حتى لو تم انتقاده في الحياة من أجل هذه السمة المفرطة، لقد أثبت لنا راسل كرو أنه ممثل بملامحه وتعبيرات وجهه قبل أن يستغل جمال جسده.

فيلم Unhinged (المختل) والذي كتبه: كارل إلسورث، وأخرجه: ديريك بورتي، وقام فيه راسل كرو بدور الرجل يبدأ بمطر شديد في الساعة الرابعة فجراً، سيارة قاتمة تنتظر تصيبك بالقلق، داخلها رجل تبدو عليه السمنة الظاهرة يتعاطى حبوب من علبة دواء بشكل متوتر، ونعرف أن أساس أزمته هو أمر متعلِّق بزواجه، فقد رصدته الكاميرا وهو يخلع خاتم زواجه ويحركه في استخفاف واضح، ثم رماه باحتقار وإهمال، فوصلتنا رسالة الفيلم بأن هذا الرجل على علاقة سيئة بزوجته، وأعطانا كثيراً من التوتر، ساعدنا عليه تعبيرات وجهه الغاضبة في سكون، وصلنا قبل أن يبدأ الفيلم أن هذا الوجه السمين يعاني من أزمة، حتى خطواته الثقيلة وجسده الضخم كان يحمل معاناة، ودخل المنزل وقتل كل من فيه وأحرقهم وخرج يتنفس بصعوبة.
نظر راسل كرو للبيت وهو يحترق نظرة تحتوي كل الانتقام والمعاناة، أكد هذه المعانة كم التعبيرات التي جسدتها ملامحه رغم الشحوم التي كانت على الوجه والجسد، وقال الصوت الخارجي للفيلم "الاساءة لا تولد إلا الإساءة" ومع نزول التترات نعلم أن حالة من التوتر قد عمَّت البلاد، وأن فتيل الغضب يوشك على الانفجار.
حين انتشر خبر قتل الأسرة وإحراق البيت في التلفزيون علمنا أن القاتل هو زوج سابق لمالكة المنزل وله تاريخ في تعاطي المخدرات والعنف.

تأخذنا الكاميرا في تتبع واضح لامرأة اسمها راشيل في حالة انفصال قامت بدورها كارين بيستوريوس، ورأينا كتابا مقلوباً فوق منضدة عنوانه (كيف تعين ابنك على تجاوز معضلة الانفصال) هذه المرأة المتوترة وقفت في إشارة المرور وشاهدنا العربة التي كانت في أول الفيلم يركبها الرجل تقف أمامها في الإشارة ولا تتحرك، ودقت المرأة صافرة السيارة بعنف وقوة وكأنها شتمت الرجل بصوت السيارة، عبَّر غضبها ونظرتها للرجل عن لمحة احتقار. وكان هذا أول احتكاك بين الغضب من جهة راشيل والقتل والعنف من جانب الرجل، ولحق بها الرجل وقال لها: "صباح الخير، ألن أحصل على نقرة مجاملة" لقد شعر أن صوت سيارتها كان إهانة له، واعتذر لها عن توقفه أمامها في لإشارة المرور؛ لأنه مر بيوم عصيب، وطلب اعتذاراً مقابل اعتذاره حتى يصبحا متساويين، لكنها رفضت، فقال: "لا أظن أن هذا مناسب لكل منا الآن" وتغيَّرت ملامح راسل كرو، وبان على وجهه غضب داخلي فارتج المقعد، وأردف: "لا أظن إنكِ تعرفين معنى يوم سيء، ولكنكِ ستعرفين" وكانت الموسيقى كدقات القلب المتشابكة مع الحدث، تدفعنا للإسراع والرغبة في متابعة ما يحدث، وانطلقت السيارتان وتأكدنا أن الفيلم سيكون مطاردة من الرجل للمرأة وأنهما أساس شغفنا، و بدأنا نتساءل، ماذا سيفعل؟ ولم نسأل لماذا يفعل؟ لأن مبررات فعله كانت واضحة منذ البداية.
نحن أمام شخصية رجل مريض وشخصية امرأة غاضبة توشك حياتها على الانفصال، لقد احتك الحديد بالحديد، وكان الأمر نارا تشتعل، وبدأ صراع الفيلم، فالرجل يطارد راشيل وهي تهرب حتى أنه سبب لها وللمشاهد حالة من الترقب والقلق، كنا نشعر أنه سيظهر لها في أي وقت وأنه سينزرع لها في أي مكان، كان الرجل مريضاً و يعاني، كان مختلاً حتى أنه دَهَسَ رجلاَ بالسيارة لأنه أغضبه، لقد أدَّى راسل كرو الدور بامتياز، وسيطر على سمنته واستغلها بمهارة، حتى أننا كدنا لا تعرف راسل كرو، وكنا نشاهد مختل حقيقي على الشاشة.

إهانة بسيطة حركت صراعا قويا في الفيلم، صارت ناراً تريد أن تحرق، ومع ذلك لم يكن يريد قتلها، كان يريد أن يقتل أقرب الناس إليها وعليها أن تختار.
وقال وهو ينتقم من أخيها كلمة الفيلم: "لقد فصلتني راشيل، كما لو أنني عديم النفع في هذا الكوكب"كان يعاني من إهماله، ويشعر بنار تحرقه لأنها أهانته، أعطانا راسل كرو غاية العنف، وتفصَّد عرقه، وقفزت العروق من وجهه ساعة الغضب، لم تتوقف حركة السيارتين معظم الفيلم، و شعرنا بالمطاردة الفعلية، حركة دائمة زادت من حدة التوتر.

بعد أن تقتل راشيل الرجل، ينتهي الفيلم براشيل وهي تقود السيارة، وعند مفترق الطرق تعترضها سيارة أخرى، فترفع يدها لتدق صافرة السيارة بعنف كأنها ستشتم الرجل، لكن يدها تتوقف ولا تشتمه بصافرة السيارة، وسارت السيارة و تنفست بعمق وقال الابن: "خيار حكيم" لقد نجحت في كبت مشاعر غضبها.

وبات واضحاً أن مبتغى الفيلم أن كلمة إساءة واحدة قد تجعل يومك سيئاً، فقط إذا قلتها للشخص غير المناسب، والذي لن يقبل إساءتك حتى لو كانت نظرة تشبه الاستخفاف، ربما كلمة الإساءة هذه تجعل الشخص يتجه إليك بكل عقدة و تركيبته النفسية المعقدة وتاريخه النفسي المشوه، هذا الشخص لو أسأت إليه سيجعل يومك سيئاً، ربما هذه الإساءة قد تجعلك تفقد حياتك إذا قلتها لمختل، ذو حساسية مريضة.
التعليقات