قصيدة "العملاق الأسمر" للشاعر فؤاد حسن مرثية في الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، تتجاوز البكاء التقليدي لتغوص في سيكولوجية البطل التاريخي والعبء الوجودي الذي حمله.
تنقسم القصيدة إلى حقلين دلاليين متصارعين؛ حقل المعاناة والاحتراق (أتون، متأجج، جمرات، متهدج، حزن وحشي، حنظل، عذاب، لهيب، الأخدود، المكدود، جرحًا، ألم سفاح)، وحقل القوة والتاريخ (قناص، أنفة، العملاق، السيف، مقتحمًا، ساحات الحرب).
تبدأ القصيدة بأسلوب استفهام إنكاري تعجبي (مِن أي أتون...؟!) يثير الدهشة الوجودية. واستخدم الشاعر صيغ المبالغة والأوصاف الثقيلة مثل "متأجج"، "متهدج"، "سفاحًا" لشحن النص بجرعة انفعالية عالية.
تظهر المفارقة اللغوية بوضوح في عبارة "لهيب ثلجي"، وهي صياغة لغوية تجمع بين النقيضين لتعكس عمق الألم الداخلي الصامت الذي يجمد المشاعر من شدة حرقته.
تنتمي القصيدة لشعر التفعيلة، وتعتمد على التدفق الحر لتفعيلة بحر الخبب (فعِلن فعْلن) الذي يتساوق مع دقات القلب المتعبة والزفرات الحرى. القافية غير موحدة لكنها تنتهي بنهايات مجهورة وممدودة تناسب أصداء الرثاء (النظرات، القسمات، الهالات، الكلمات، الأهرامات).
تتحرك البنية الحركية في النص من الخارج إلى الداخل (الظاهر المعماري للبطل إلى عمقه السيكولوجي) من خلال المستوى البصري / الخارجي (النظرات، الصوت، الفود الأشيب، الأخدود في الوجه). والمستوى الباطني / النفسي (الجرح المخفي، الأمل التواق، السر المخبوء). والمستوى الكوني / الجمعي (قلب يضم الشعب ويطوي العالم اللجي).
يطرح الشاعر إشكالية فلسفية في الخاتمة في قوله (هذا القلب المكدود والمحدود... كيف يضم الشعب؟). الفلسفة هنا تكمن في تحول الإنسان المحدود بيولوجيًّا وزمنيًّا إلى حاوية مطلقة ولامحدودة تستوعب هموم أمة بأكملها.
وتظهر في القصيدة فكرة "البطل التراجيدي" الإغريقي الذي يحمل خطيئة العالم أو آلامه فوق كتفيه (الحزن القدري). الزعيم هنا لا يعاني معاناته الشخصية، بل يعاني عذابًا كافيًا لدك الأهرامات (تدك الأهرامات)، وهي رمزية للخلود الذي ينوء بحمل الألم البشري.
ونلاحظ أن الشاعر يكرر عبارة (يجهد أن يخفي جرحًا)، و(يستخفي الحزن القدري في أقنعة الكلمات). هذا القناع يحجب وراءه ذاتًا ممزقة تمارس "وأد الأنفاس والزفرات" للحفاظ على صورة القائد الصلب.
ينعكس الصراع النفسي على الجسد (صوت متهدج، هالات سود، أخدود في الوجه). فالألم السيكولوجي لم يعد مجردًا، بل تحول إلى خطوط جيولوجية محفورة على وجه القائد.
ونتوقف عند عنوان القصيدة "العملاق الأسمر" لنجده رمزًا يربط بين السمرة الأرضية (طمي النيل / الفلاح المصري) وبين العملقة (الشموخ والقوة).
بينما الأخدود والهالات السود رموزٌ للزمن والمسؤولية والتفكير الطويل في مصير الأمة. أما "الأهرامات" فهي رمز للثبات، والخلود، والتاريخ المصري الراسخ. وحين يقول الشاعر إن العذابات تكفي لتدك الأهرامات، فهو يرفع من حجم المعاناة النفسية لتتفوق على صلابة الحجر التاريخي.
إن وجه عبد الناصر يتحول في هذه القصيدة إلى "أيقونة سيميائية" تختزل تاريخ مصر. فالعلامات المرئية (الشيب، الهالات، الأخدود) هي دوال لمدلولات عميقة تعني التضحية والسهد والاحتراق لأجل المجموع.
أما حركة "قناص يقفو هدفه"، و"ممتشق السيف"، فتمثل علامات "الفعل والاندفاع واليقظة"، بينما "الصدر الذي يتألم في أنَفة" و"يستخفي الحزن" تمثل علامات "الانكفاء والصمت". وعلى ذلك فإن القصيدة تلعب في المساحة السيميائية الفاصلة بين الحركة الجسدية العنيفة والجمود العاطفي الكابت.
يقوم الشاعر فؤاد حسن باستدعاء الذاكرة الجمعية العربية والمصرية عبر رصد سلسلة أنساب تاريخية للبطل (مينا .. أحمس .. عمرو .. عرابي .. الأيوبي). هذا ليس مجرد مدح، بل هو "نسق ثقافي مضمر" يرى في عبد الناصر تجسيدًا لـ "المخلص التاريخي" الذي تتوارثه الأجيال.
ويظهر النسق الثقافي العربي في استدعاء صورة (الجندي الممتشق السيف العربي فوق جواد أشهب). يعكس هذا النمط البدئي للبطل العربي الفارس الذي يقتحم الحرب، وهو نسق ثقافي راسخ في الوجدان العربي يتم إسقاطه على القائد الحديث لشرعنة دوره القيادي كحامٍ للثغور والمكتسبات الثقافية والسياسية. كما تعزز القصيدة نسقًا ثقافيًّا أبويًّا، حيث يتحمل "القائد الأب" العذاب الداخلي والموت البطيء (السهد، الحنظل، صهر الفود) في سبيل حماية المجموع (كيف يضم الشعب؟).
قصيدة "العملاق الأسمر" للشاعر فؤاد حسن:
من أي أتونٍ متأجّج
تتوهج هذي النظرَات اللائي كالجمرات
في عيني قناصٍ يقفو هدفه ؟!
يصَّاعد هذا الصوتُ المتهدج
من صدر يتألم لكن في أنَفَة ؟!
كم ليلة سهدٍ كحلت الأعين
كم ليلة حزن وحشي
زرعتْ حنظلَها في القسمات
أنملة عذابٍ لا بشرى
صهرت بلهيب ثلجي
الفود المحترق الأشيب
حفرت هذا الأخدود
هذي الهالات السود
في الوجه المكدود الطيب
هذا الرجل الأسمر يجهد أن يخفي جرحا
هذا العملاق المصري
مينا .. أحمس .. عمرو .. عرابي .. الأيوبي
ذاك الجندي الممتشق السيف العربي
مقتحمًا ساحات الحرب
فوق جوَاد أشهب
يجهد أن يخفي جرحا
ذكرى .. أملا توَّاقا .. ألمًا سفَّاحا كالطعنات
سرًّا مخبوءًا . شيئًا مفقودا
ظلمأ ملحاحا يعوزه الري
يستخفي الحزن القدري
في أقنعة الكلمات .. اللفتات .. الإيماءات
يئد الأنفاس المبهورة .. الزفرات الحرى ..
الأنَّات
لكني أعجب
هذا القلب المكدود
والمحدود
هذا القلب المُثخن
بعذاباتٍ وعذابات
تكفي لتدك الأهرامات
كيف يضم الشعب؟
يطوي عالمه اللجي؟؟!
التعليقات