ثمة لحظات لا يحدث فيها شيء استثنائي، ومع ذلك تشعر أن شيئًا ما في داخلك لم يعد كما كان. تجلس في مكانك، تنظر إلى العالم من حولك، إلى هذا الركض المحموم، وإلى كل ما يمارسه البشر ضد بعضهم بعضًا من قسوةٍ وخذلانٍ وصراعات، ثم يتسلل إليك سؤال لا تعرف كيف بدأ، ولا تجد له إجابة تُرضيك: كيف استطاع الإنسان أن يصبح مصدرًا لكل هذا الألم، وهو أكثر المخلوقات احتياجًا إلى الأمان؟
أتأمل العالم، فأرى حروبًا تُزهق فيها الأرواح، وصراعاتٍ تُهدر فيها الأعمار، وأناسًا يتفننون في إيذاء بعضهم بعضًا، وكأن الحياة لا تتسع للجميع، وكأن نجاة أحدهم لا تكتمل إلا بخسارة الآخر. ثم أعود إلى التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في نشرات الأخبار، لكنها ربما تكون أكثر قدرة على هزيمة الروح؛ خذلانٌ يأتي من حيث اطمأننت، وقسوةٌ تصدر ممن ظننت أنهم يعرفون جيدًا أين يكمن وجعك، ووجوهٌ تتغير ملامحها حين تتغير مصالحها، ووعودٌ تذوب عند أول اختبار حقيقي.
وحين يتراكم كل ذلك، لا تفقد ثقتك في شخص بعينه فحسب، بل يبدأ شيء أعمق في التصدع. تتراجع تلك الطمأنينة القديمة التي كنت تدخل بها إلى العلاقات، ويصبح الاقتراب فعلًا يحتاج إلى حسابات، ويغدو الاطمئنان استثناءً بدلًا من أن يكون شعورًا طبيعيًا. لا لأنك قررت أن تكره الناس، بل لأنك لم تعد تعرف أيَّ نسخة منهم ستقابلك حين تتخلى عن حذرك.
وربما تكون المأساة الحقيقية أنك لا تصل إلى هذه المنطقة دفعةً واحدة؛ لا تستيقظ ذات صباح لتجد قلبك قد أصبح باردًا، ولا تتخذ قرارًا واعيًا بأن تكف عن الثقة. يحدث الأمر ببطء، على هيئة تفاصيل صغيرة لا يراها أحد سواك. خيبةٌ تتبعها أخرى، واعتذارٌ لا يصلح ما أفسده، وموقفٌ يضعك أمام حقيقة كنت تتمنى لو أنها غير موجودة. حتى تأتي لحظة تكتشف فيها أنك لم تعد تمنح الأشياء الشعور نفسه، وأن جزءًا منك صار يتراجع قبل أن يخطو، ويتحفظ قبل أن يطمئن، ويتهيأ للخذلان حتى في اللحظات التي لا يوجد فيها ما يستدعي الخوف.
ولعل أكثر ما يجعل الأمر قسوة أنني لم أكن يومًا ممن تمر عليهم الأشياء دون أن تترك أثرًا.
هناك أشخاص يعيشون المواقف، وهناك أشخاص يعيشون المواقف وما يختبئ خلفها من احتمالات ومعانٍ وأسئلة. وأنا، على ما يبدو، أنتمي إلى الفئة الثانية.
تستوقفني النظرة التي تبدلت، والنبرة التي انحرفت قليلًا عن مألوفها، والكلمة التي قيلت ببرود لم أعتده، والصمت الذي جاء في لحظة كان الكلام فيها كفيلًا بأن يطمئن شيئًا ما في داخلي. ألتقط ما قد لا ينتبه إليه الآخرون، وأشعر بما قد لا يعرفون أصلًا أنهم أظهروه، ثم أجد نفسي أمام عبء لا يراه أحد: ماذا أفعل بكل ما ألاحظه، وبكل ما أشعر به، وبكل الأسئلة التي تتركها التفاصيل معلقة في رأسي؟
إنها ليست دائمًا ميزة أن ترى ما لا يراه الآخرون؛ فبعض الرؤية عبء، وبعض الانتباه استنزاف، وبعض الوعي يسرق من صاحبه عفوية العيش.
أن تكون حساسًا يعني أحيانًا أن يصل إليك ما لم يُقصد أن يصل، وأن تبقى في داخلك أصداء كلمات نسيها أصحابها منذ زمن، وأن تعود إلى موقف انتهى بالنسبة إلى الجميع، بينما لا يزال عقلك يحاول أن يفهمه، وقلبك يحاول أن يتجاوز أثره.
لكنني تعلمت، أو ربما ما زلت أتعلم، أن الشعور العميق لا يعني بالضرورة أن تفسيرنا للأشياء صحيح. فالنظرة قد تخفي ما نظنه، والنبرة قد تكون ابنة تعب لا علاقة لنا به، والصمت لا يحمل دائمًا رسالة موجهة إلينا. وبين ما نلتقطه بحواسنا وما نمنحه من معانٍ، مسافة ينبغي ألا نختصرها لمجرد أننا نشعر بقوة.
فليس كل ما يؤلمنا دليلًا على أن أحدًا أراد إيذاءنا، وليس كل ما نخشاه حقيقة، لكن هذا لا يجعل الألم أقل واقعية، ولا يجعل حاجتنا إلى الطمأنينة ترفًا.
المعضلة أن الإنسان الحساس لا يتعب من الشعور وحده، بل يتعب من محاولته المستمرة أن يفسر شعوره، وأن يختبره، وأن يبحث له عن دليل، وأن يلوم نفسه أحيانًا لأنه شعر أكثر مما ينبغي، أو لأنه منح تفصيلة صغيرة قدرة أكبر من حجمها.
وهكذا يتحول القلب، الذي كان يريد أن يفهم الآخرين، إلى محكمة لا تتوقف عن استجواب صاحبها.
ومع كل خذلان، يتغير السؤال.
في البداية نسأل: لماذا فعل بي هذا؟ ثم نسأل: كيف لم أره على حقيقته؟ ثم، بعد مرات كافية من الألم، نتوقف عن السؤال عن الآخرين ونبدأ في الشك في العالم كله.
هل يمكن الوثوق بأحد حقًا؟ هل الطيبة صفة أصيلة أم أنها رفاهية لا تصمد طويلًا أمام المصالح؟ هل الوفاء حقيقة نادرة، أم أنني كنت أبحث عنه في الأماكن الخطأ؟ وهل أصبح الناس أكثر قسوة، أم أن التجارب جعلتني أكثر انتباهًا إلى قسوتهم؟
لا أملك إجابات قاطعة. وربما تكون المشكلة في اعتقادنا أن علينا أن نخرج من كل تجربة مؤلمة بحكم نهائي، كأن الألم لا يكتمل إلا إذا تحول إلى نظرية تفسر الحياة كلها.
لكن بعض التجارب لا تمنحنا حكمة مكتملة؛ إنها تتركنا فقط أكثر حذرًا، وأكثر ترددًا، وأقل استعدادًا للمجازفة بما تبقى لدينا من طمأنينة.
والحقيقة التي يصعب الاعتراف بها أن الخذلان لا يغير نظرتنا إلى الآخرين وحدهم، بل قد يغير نظرتنا إلى أنفسنا أيضًا. يجعلنا نراجع عفويتنا، ونشك في قدرتنا على التمييز، ونلوم أنفسنا لأننا صدقنا، أو لأننا اقتربنا، أو لأننا ظننا أن ما نحمله من صدق سيجد صداه بالضرورة لدى الآخرين.
كأننا، بدلًا من أن نحاسب من خذلنا، نعاقب الجزء فينا الذي كان قادرًا على الثقة.
وهنا يصبح الألم مضاعفًا: أن يؤذيك أحدهم، ثم تفقد بسببه شيئًا جميلًا في نفسك؛ أن يرحل شخص، فيرحل معه اطمئنانك إلى أشخاص لم تقابلهم بعد؛ أن تنتهي علاقة، فتدفع العلاقات القادمة ثمنًا لم تشارك في صناعته.
وهل ثمة خسارة أشد خفاءً من أن ينجح ما فعله بك شخص واحد في تغيير الطريقة التي تستقبل بها العالم كله؟
أحيانًا، لا أريد من الحياة شيئًا كبيرًا. لا أبحث عن بشر استثنائيين، ولا عن علاقات خالية من العيوب، ولا عن عالم تسوده المثالية. كل ما أريده هو الحد الأدنى من الصدق الذي يجعلني لا أضطر إلى الشك في كل شيء، والقدر الكافي من الوضوح الذي يعفيني من استنزاف نفسي في فك شفرات الآخرين.
أريد أن تكون الكلمات قريبة من النوايا، وأن تكون المواقف أقل التباسًا، وأن يكون الاختلاف ممكنًا دون إهانة، والابتعاد ممكنًا دون قسوة، والاعتذار ممكنًا دون مراوغة. أريد أن أفهم أن البشر قد يخطئون، لكنني لا أريد أن يصبح الخطأ المتكرر هو الثمن الذي أدفعه مقابل الاحتفاظ بعلاقاتي بهم.
لقد أتعبتني، ربما، فكرة أن على الإنسان أن يكون قويًا طوال الوقت؛ أن يتجاوز كل شيء، ويستوعب كل شيء، ويلتمس الأعذار للجميع، ثم يواصل حياته وكأن شيئًا لم يحدث. لماذا يُطلب ممن يشعر بعمق أن يكون أكثر قدرة على الاحتمال، لمجرد أنه أكثر قدرة على الفهم؟ ولماذا تتحول طيبة الإنسان أحيانًا إلى مبرر لأن يتحمل ما لا ينبغي له تحمله؟
ليس من النضج أن نستوعب الأذى بلا حدود، وليس من الحكمة أن نبحث دائمًا عن تفسير يبرئ الآخرين على حساب سلامنا. أحيانًا تكون الحقيقة بسيطة ومؤلمة: بعض الناس لا يستطيعون منحنا ما نحتاج إليه، وبعضهم لا يقدّر ما نقدمه، وبعض العلاقات تنتهي صلاحيتها حتى لو ظل في القلب ما يدعوه إلى التمسك بها.
وليس علينا أن نحوّل كل خيبة إلى معركة، ولا أن ننتزع اعترافًا من كل شخص أخطأ في حقنا، ولا أن ننتظر من الجميع أن يفهموا لماذا آلمونا. ثمة أبواب لا تُغلق لأننا كرهنا من وراءها، بل لأن البقاء مفتوحة يجعلنا نفقد أنفسنا شيئًا فشيئًا.
ومع ذلك، يظل هناك سؤال أخشاه أكثر من فقدان الثقة في الناس: ماذا لو تحولت محاولاتي لحماية نفسي إلى عزلة لا أستطيع الخروج منها؟ ماذا لو بالغت في الحذر حتى لم يعد الأمان يصل إليّ، حتى حين يكون موجودًا؟ ماذا لو أصبحت أبحث عن العلامات التي تؤكد مخاوفي، وأغفل تلك التي تمنحني سببًا جديدًا للأمل؟
إننا حين نتألم طويلًا قد نظن أن التشاؤم بصيرة، وأن توقع الأسوأ نوع من الذكاء، وأن عدم الاقتراب من أحد هو الطريقة الوحيدة لتجنب الخذلان. لكن الحذر، حين يتجاوز حدوده، لا يحمينا من الألم وحده؛ إنه يحرمنا أيضًا من احتمالات الفرح، ومن العلاقات التي ربما كانت ستمنحنا ما افتقدناه، ومن فرصة أن نكتشف أن بعض البشر لا يشبهون من سبقوهم.
لا أريد أن أكون ساذجة، لكنني لا أريد أيضًا أن يصبح كل ما أعرفه عن الإنسان مستمدًا من أسوأ ما فعله بي بعض البشر.
فالعالم الذي نراه قاسيًا هو نفسه الذي يعيش فيه أناس يخففون آلام غرباء لا يعرفون أسماءهم، ويمنحون دون انتظار مقابل، ويحفظون أسرارًا لا تخصهم، ويختارون الرحمة حين تكون القسوة أسهل، ويظلون أوفياء لمبادئهم حتى حين لا يراقبهم أحد.
وجود هؤلاء لا يمحو الأذى، ولا يعيد إلينا ما فقدناه، لكنه يذكّرنا بأن الصورة لم تكتمل بعد، وأن تجربتنا، مهما كانت عميقة، ليست العالم كله.
ولعل الإنصاف الحقيقي ألا نبرئ البشر جميعًا، وألا ندينهم جميعًا؛ أن نرى الإنسان كما هو، بقدرته المدهشة على الحب، وبقدرته المؤلمة على الأذى، وأن نتوقف عن مطالبة أنفسنا بالاختيار بين الثقة العمياء والشك المطلق.
هناك مساحة بين الاثنين، اسمها البصيرة.
أن تمنح الثقة بقدر ما تُبنى، لا بقدر ما تتمنى. أن تراقب الأفعال دون أن تستنزف نفسك في تأويل كل إشارة. أن تصغي إلى حدسك، لكنك لا تجعله قاضيًا لا يقبل الاستئناف. وأن تسمح للناس بأن يثبتوا من يكونون، بدلًا من أن تحاكمهم إلى تجارب لم يكونوا جزءًا منها.
ربما تكون تلك هي المنطقة الغريبة التي وجدت نفسي فيها؛ منطقة لا أعرف إن كانت نضجًا أم تعبًا، وعيًا أم انسحابًا، أم مزيجًا معقدًا من كل ذلك.
لم أعد أريد أن أفهم كل شيء، ولا أن أفسر كل شخص، ولا أن أنتصر في كل معركة، ولا حتى أن أحصل على إجابة عن كل سؤال تركه الآخرون في داخلي. بدأت أفهم أن بعض الأسئلة لا تستحق العمر الذي ننفقه في محاولة الإجابة عنها، وأن راحة البال قد تبدأ حين نتوقف عن ملاحقة المعاني التي لا يريد أصحابها توضيحها.
أريد أن أستعيد حقي في البساطة؛ أن أجلس دون أن أعيد تحليل حوار انتهى، وأن أسمع كلمة دون أن أفتش وراءها عن نية خفية، وأن أقترب حين أطمئن، وأبتعد حين أرى ما يستدعي الابتعاد، دون أن أضطر إلى تبرير كل قرار أمام نفسي.
أريد أن أكون حساسة دون أن أكون مستباحة، واعية دون أن أكون مرهقة، طيبة دون أن أكون مطالبة باحتمال كل شيء، وحذرة دون أن أتحول إلى شخص يخاف من كل شيء.
فليس مطلوبًا مني أن أفقد قلبي كي أنجو، ولا أن أفقد بصيرتي كي أحب، ولا أن أتحول إلى شخص آخر كي أتمكن من العيش في هذا العالم.
ربما لا أستطيع تغيير قسوة الحياة، ولا أن أوقف حروب البشر، ولا أن أضمن ألا يخذلني أحد مرة أخرى. لكنني أستطيع، ولو بالتدريج، أن أتعلم أين أضع ثقتي، ولمن أمنح وقتي، وما الذي يستحق أن أحمله معي، وما الذي ينبغي أن أتركه خلفي.
أن أتعلم أن بعض الأشياء التي حدثت لي تفسر حذري، لكنها لا ينبغي أن تحدد مستقبلي كله.
وأن أسمح لنفسي بالحزن دون أن أجعل الحزن هويتي، وبالابتعاد دون أن أجعل الوحدة قدري، وبالشك دون أن أحوّل الشك إلى عقيدة.
فأنا لا أريد أن أصبح أقل إحساسًا، بل أريد ألا يكون إحساسي سببًا دائمًا في ألمي. ولا أريد أن أفقد ثقتي في الإنسان بقدر ما أريد أن أتوقف عن فقدان نفسي كلما اكتشفت أن إنسانًا لم يكن كما ظننته.
وفي نهاية الأمر، ربما لا تكون النجاة في أن نغلق أبوابنا في وجه العالم، ولا في أن نتركها مفتوحة لكل عابر؛ بل في أن نعرف أي الأبواب يستحق أن يُفتح، وأيها ينبغي أن يظل مغلقًا، ومتى يكون الابتعاد حكمة، ومتى يكون خوفًا يرتدي ثوب الحكمة.
أما ذلك الجزء الرقيق فينا، الذي ما زال يتأثر بنبرة صوت، ويلتفت إلى نظرة، ويتألم من كلمة، ويبحث رغم كل شيء عن الصدق في هذا العالم المزدحم بالمراوغة، فلا أريد أن أقتله.
أريد فقط أن أعلّمه أن ليس كل عابر يستحق أن يترك أثرًا، وليس كل أثر يستحق أن يبقى، وليس كل من خذلنا يملك الحق في أن يحدد لنا كيف سنرى الحياة بعده.
فربما تكون أقسى الخيبات هي تلك التي تجعلنا نخشى أن نكون على طبيعتنا، وأجمل انتصاراتنا أن ننجو منها دون أن نخسر أنفسنا.
أن نرى قبح العالم، ولا ننكره؛ أن نعترف بقدرة البشر على الأذى، ولا ننكر قدرتهم على الرحمة؛ وأن نواصل الحياة لا لأننا أصبحنا واثقين من أن أحدًا لن يخذلنا، بل لأننا أدركنا أخيرًا أن خذلان الآخرين لا ينبغي أن يكون نهاية علاقتنا بالحياة.
أن نخرج من التجارب أكثر بصيرة، لا أكثر قسوة؛ أكثر قدرة على الاختيار، لا أكثر خوفًا من الاقتراب.
وأن نصل، بعد كل هذا التعب، إلى سلام لا يعتمد على أن يصبح العالم كما نريد، ولا على أن يصبح الناس كما نتمنى، بل على أن نعرف أنفسنا بما يكفي كي لا نفقدها في محاولاتنا المستمرة لفهم الآخرين.
فليس أشد وحدةً من إنسانٍ يفقد ثقته في العالم، وليس أشد شجاعةً من إنسانٍ يرى العالم على حقيقته، ثم يقرر ألا يسمح لقسوته بأن تسلبه إنسانيته.
التعليقات