إفيه "العلم لا يكيل بالبتنجان" الذي أطلقه الفنان عادل إمام (بهجت الأباصيري) في مسرحية مدرسة المشاغبين (1971)، يُعد أحد أبرز الوجبات الكوميدية الدسمة التي تجاوزت مجرد الضحك العابر لتتحول إلى إسقاط سوسيولوجي وثقافي عميق.
جاء الإفيه ردًّا على جملة المعلمة "عفت عبد الكريم" (سهير البابلي) عندما كانت تحاول وعظ الطلاب قائلة بجدية: "العلم لا يكيل بالمال". فتعمد بهجت الأباصيري تحريف الكلمة موجهًا حديثه لزميله "مرسي الزناتي" (سعيد صالح) ليقول: "آه.. بيقول لك العلم لا يكيل بالبتنجان".
اختيار ثمرة "الباذنجان" تحديدًا يعود إلى استخدامها الشعبي في الثقافة المصرية للدلالة على الرخص، أو الشيء الذي لا قيمة له، أو العشوائية (مثل قول "كلام بتنجان").
نجح الإفيه في تفكيك الخطاب الأكاديمي النظري الجامد الذي كانت تقدمه المعلمة، وتحويله فورًا إلى مادة هزلية تُسقط سلطتها الثقافية داخل الفصل. واعتمد عادل إمام على آلية "الارتجال المنظم" والتناغم اللحظي مع سعيد صالح، حيث تحوَّل الإفيه من مجرد جملة عابرة إلى حوار تبادلي ضاعف من جرعة الضحك لدى الجمهور.
يعكس الإفيه بوضوح فلسفة "اللامبالاة" و"التمرد" التي تبنتها شخصية بهجت الأباصيري كزعيم للشلة، حيث يرفض تلقي النصائح الجاهزة ويسخر من الطريقة التقليدية للتلقين.
الضحك الناجم عن الإفيه يولد من المفارقة الغريبة؛ فتحويل العلم (وهو قيمة مجردة سامية) إلى مقياس مادي تافه (الباذنجان) صدم الوعي التقليدي الذي يقدِّس التعليم. وتحول الإفيه بمرور السنوات من مجرد نكتة مسرحية إلى واقع اجتماعي مرير.
يرى النقاد أن "الإفيه" تنبأ بتراجع جودة التعليم العربي، وظهور شهادات وجامعات "وهمية" تبيع العلم وتكيله كالبضائع الرخيصة. لقد خرجت الجملة من إطار المسرحية لتصبح مَثلاً يُضرب في الشارع العربي للتعليق على أي نقاش عشوائي، أو عند غياب المعايير المنطقية في التقييم والتقدير.
نتذكر أن الجملة الأصلية (العلم لا يُكال بالمال) وهي تنتمي إلى لغة الوعظ الراقية. استبدال "المال" بـ "البتنجان" نقل الجملة من الفصحى المُبسطة إلى "العامية المُمعنة في الشعبية".
كلمة "العلم" تحمل جهارة وفخامة صوتية ودلالية ترتبط بالقداسة، بينما كلمة "البتنجان" تحتوى على حروف متفجرة ولينة (ب، ت، ن، ج) ترتبط في الوعي اللغوي المصري بالخفّة، والرخص، واللامعنى (مثل تعبير "كلام بتنجان"). هذا الاصطدام اللغوي بين القمة والقاع هو المفجر الأول للمفارقة.
تتأسَّس البنية الدرامية للمشهد على ثنائية (المنضبط / المشاغب) أو (السلطة / التمرد). وتعمل البنية الإفاهية كأداة تفكيكية؛ حيث أخذ بهجت الأباصيري البنية اللغوية للمعلمة، وأعاد تركيبها بعد تفريغها من محتواها الأخلاقي.
ونلاحظ أن الإفيه لا يعمل بمفرده بل يعتمد على بنية حوارية تالية. عندما يمرر عادل إمام الإفيه لسعيد صالح، تكتمل البنية الدائرية للمفارقة، حيث يتحول "البتنجان" من مجرد كلمة عابرة إلى وحدة قياس بديلة داخل الفصل الدراسي.
إن هذا الإفيه يتقاطع مع الفلسفة العبثية، وهو يعلن بشكل غير مباشر سقوط القيمة المطلقة للمؤسسة التعليمية. عندما يُقاس العلم بالباذنجان، يتم تجريد "المعرفة" من غاياتها المثالية الكبرى.
المعلمة (عفت عبد الكريم) تمثل الفلسفة المثالية (العلم قيمة مجردة)، بينما يمثل الطالب الفلسفة البراغماتية الشعبية المشوَّهة. الطالب يرى أن العلم في واقع هذا العصر لم يعد يجلب مالاً، وبالتالي فإن مساواته بالباذنجان هي تجسيد لفلسفة "تسطيح القيم" التي فرضها الواقع المادي.
طلاب المسرحية يعانون نفسيًّا من "عقدة الفشل الدراسي" الناتجة عن نظام تعليمي قمعي. والسخرية هنا هي آلية دفاع نفسية لتقليل الشعور بالذنب؛ فتحويل العلم إلى "بتنجان" يرفع عن كاهل الطالب عبء الإحساس بالفشل. إذا كان العلم تافهًا، فلا ضير من عدم تحصيله.
وبحسب نظرية فرويد للفكاهة، هو تفريغ لطاقة نفسية مكبوتة ناتجة عن "الخوف من السلطة" (الممثلة في المعلمة والامتحانات وزجر الأب).
"البتنجان" ثمرة خضار رخيصة الثمن. ومدلولها الثقافي أو رمزها: العشوائية، والتيه، وانعدام القيمة، والاستسهال. سيميائية المشهد تتكامل بحركة جسد عادل إمام (الجسد المسترخي، النظرة اللامبالية، البدلة المدرسية غير المهندمة). هذه الإشارات البصرية تشفّر معنى الاستخفاف الشديد، وتدعم الدلالة اللفظية للإفيه وتمنحها أبعادها الساخرة.
ونتذكر أن الإفيه قيل في السبعينيات، حيث بدأت القيم الثقافية والتعليمية تتراجع لصالح الثراء السريع والتجارة. الإفيه التقط هذه اللحظة الزمنية بذكاء؛ حيث سقطت قيمة "المثقف" وصعدت قيمة "الفهلوي". وتحوَّل الإفيه من "حدث آني" مرتبط بخشبة المسرح إلى "بنية زمنية ممتدة". وقدرة الإفيه على العيش حتى اليوم ناتجة عن استمرار الأزمة ذاتها؛ حيث تحول من "سخرية من الواقع" إلى "توصيف حقيقي" للواقع التعليمي الحالي في نظر الأجيال الجديدة.
يذهب المتلقي للمسرح متوقعاً خطابًا تقليديًّا أو نصائح مباشرة. وقد كسر عادل إمام هذا الأفق تمامًا. ووجد المتلقي (الجمهور) نفسه شريكًا في الإفيه؛ لأنه يملك ذات الوعي الشعبي الذي يربط "الباذنجان" بالرخص والعبث.
المتلقي الذي يعاني غالبًا من وطأة المؤسسات الصارمة (التعليمية والسياسية)، يرى في ضحكه على هذا الإفيه نوعًا من الانتصار الرمزي، والتطهير من سلطة هذه المؤسسات ولو لعدة ثوانٍ.
التعليقات