رحل الفنان المصري محمد التاجي، مساء الأحد 30 أغسطس 2026، عن عمر ناهز 72 عاماً، بعد رحلة فنية امتدت لنحو خمسة عقود، ظل خلالها واحداً من الوجوه المألوفة في الدراما المصرية، وقدم عشرات الشخصيات المساندة التي ربما لم تكن دائماً في صدارة المشهد، لكنها تركت حضوراً واضحاً لدى الجمهور.
وأعلن الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، وفاة التاجي، فيما أوضحت تقارير صحفية أن حالته الصحية شهدت تراجعاً خلال الفترة الأخيرة، قبل أن يرحل داخل أحد المستشفيات.

وشُيعت جنازته، الاثنين 31 أغسطس، من مسجد الثورة بطريق صلاح سالم في القاهرة، بحضور أسرته وعدد من الفنانين والمخرجين، بينهم أشرف زكي ومجدي بدر وإسلام جمال والمخرجان أحمد شفيق وهاني يسري.
حفيد عبد الوارث عسر
ولد محمد التاجي في 28 أبريل 1954، وينتمي إلى أسرة ذات تاريخ فني كبير، فهو حفيد الفنان الراحل عبد الوارث عسر، أحد أبرز رموز السينما والمسرح في مصر، لكن تلك الصلة لم تكن، بحسب رواية التاجي نفسه، جواز مروره إلى الفن.
وكشف في حديث سابق أن جده لم يشجعه بصورة مباشرة على احتراف التمثيل، بل إنه كان حريصاً على ألا يستفيد حفيده من اسمه في دخول الوسط الفني، وقال التاجي إنه أخفى في بداياته صلة القرابة بعبد الوارث عسر بناءً على رغبة جده، حتى يثبت نفسه بموهبته بعيداً عن إرث العائلة.
ورغم ذلك، كان لعبد الوارث عسر أثر غير مباشر وعميق في تكوينه؛ إذ روى التاجي أنه في السنوات الأخيرة من حياة جده، ومع ضعف بصره، كان يقرأ له النصوص والأعمال الفنية، بينما كان عبد الوارث عسر يدون ملاحظاته بخط كبير، وهي تجربة قربته بصورة أكبر من عالم التمثيل والكتابة والأداء.

من المسرح إلى قائمة من المسلسلات والأفلام
بدأ التاجي مسيرته الفنية في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، وكان المسرح من المحطات المبكرة في مشواره، إذ شارك في مسرحية “المتزوجون” إلى جانب سمير غانم وجورج سيدهم وشيرين، قبل أن تتسع مشاركاته في التلفزيون والسينما، ورصيده التمثيلي تجاوز 140 عملاً بين مسلسل وفيلم ومسرحية وسهرة تلفزيونية.
وكان للتلفزيون النصيب الأكبر من حضوره، إذ شارك في أعمال بارزة عبر أجيال مختلفة، من بينها “البشاير"، و"الزيني بركات"، و"زيزينيا"، و"بوابة الحلواني"، و"حدائق الشيطان"، و"يونس ولد فضة"، و"جبل الحلال"، و"لعبة نيوتن"، و"ملوك الجدعنة"، و"فاتن أمل حربي"، و"دايماً عامر"، و"ملف سري"، و"الأجهر"، و"الأصلي"، و"العتاولة"، و"جودر".

وعلى شاشة السينما، شارك في أفلام بينها “آخر الرجال المحترمين"، و"الراقصة والسياسي"، و"سواق الهانم"، و"أرض الأحلام"، و"عفريت النهار"، و"ديل السمكة"، و"الجزيرة 2"، و"واحد تاني"، إلى جانب عدد من الأعمال الأخرى.
وتميز التاجي بقدرته على التحرك بين الشخصيات الاجتماعية والكوميدية والدرامية، وبرز كثيراً في أدوار الأب أو الموظف أو رجل الأعمال أو الشخصية الشعبية، من دون التقيد بقالب واحد، وهو ما ساعده على الاستمرار على الشاشة لعقود متتالية.

آخر ظهور لـ"محمد التاجي"
ظل محمد التاجي حاضراً فنياً حتى السنوات الأخيرة من حياته، حي شارك في مسلسل “بابا وماما جيران” عام 2026 بشخصية “حسام"، ليكون أحدث أعماله المسجلة، بعد ظهوره في جزأي “جودر - ألف ليلة وليلة"، و"العتاولة".
وأفادت تقارير نُشرت عقب وفاته بأن “بابا وماما جيران"، الذي عُرض في موسم رمضان 2026 وشارك في بطولته أحمد داود وميرنا جميل، مثّل آخر ظهور درامي له قبل الرحيل.

معاناة قبل الوفاة
واجه محمد التاجي خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الأزمات الصحية والجراحات، وعانى آلاماً في العمود الفقري أثرت في حركته وقدرته على السير بصورة طبيعية، وخضع لتدخلات جراحية متعددة، كما أجرى عمليات في البطن بينها جراحة لعلاج فتق وأخرى خلال الفترة التي سبقت وفاته.
وكان قد ظهر في وقت سابق بعد إحدى العمليات مطمئناً جمهوره، وقالت تقارير حينها إن الإجراء الجراحي مر بسلام، بينما أكد أشرف زكي أن حالته كانت مستقرة وقتها.
لكن حالته الصحية عادت إلى التراجع لاحقاً، وأشارت صحيفة “الشروق” عقب وفاته إلى أنه أمضى أيامه الأخيرة في المستشفى لإجراء جراحة في البطن، قبل حدوث تراجع مفاجئ في حالته الصحية.

فنانون ينعون محمد التاجي
وعقب إعلان وفاته، أعاد متابعون تداول منشور سابق للتاجي تحدث فيه عن الموت بكلمات مؤثرة، وهو المنشور الذي تناولته عدة وسائل إعلام باعتباره من آخر ما كتبه في هذا السياق، وقال فيه: “إذا مت لا تبكوا، فقد كنت بالفعل ميتاً من الداخل، أنا فقط أغمضت عيني".
ووصفت نقابة المهن التمثيلية "التاجي" بأنه “فنان أصيل حمل إرث العمالقة"، مؤكدة أنه ترك وراءه مسيرة حافلة بـ"العطاء الفني والأخلاقي"، وقدمت التعازي إلى أسرته والأسرة الفنية المصرية والعربية.
أما الفنان ياسر جلال، الذي شاركه في عدد من الأعمال، فوصفه بـ"أستاذي الفنان الكبير"، داعياً له بالرحمة والمغفرة، بينما اختصر طارق لطفي علاقته بالراحل في كلمات شديدة الدلالة قائلاً: “مع السلامة يا أطيب خلق الله".
وذهبت الفنانة صفاء أبو السعود إلى الحديث عن قيمته الفنية، معتبرة أنه استطاع أن يصنع لنفسه مكانة خاصة في تاريخ الفن، بفضل قدرته على التنوع وأداء الشخصيات المركبة والصعبة، وأشارت بصورة خاصة إلى أدواره في “البشاير” و"الجوارح"، التي رأت أنها ستظل عالقة في ذاكرة الجمهور.
كما نعى المركز القومي للسينما التاجي، مؤكداً أن الساحة الفنية المصرية فقدت فناً متميزاً ترك بصمة واضحة في الدراما والسينما عبر مسيرة طويلة من الأعمال التي ارتبط بها الجمهور.
التعليقات