مَن منّا لا يتذكر ألبومات الصور التي كنَّا وما زلنا نحتفظ فيها بأثمن الصور التي حفظت لنا كل الذكريات الجميلة التي استطعنا أن نقتنصها من الزمن. لم تكن مجرد أوراق مطبوعة أنتجتها لنا الكاميرات، بل كانت لحظات غالية من ذاكرتنا، أردنا أن نحفظها حتى نطَّلع عليها من آنٍ لآخر ونشاركها مع الأحباب. كانت تلك الصور عجيبة! فعلى الرغم من قلة جودتها أو رداءة ألوانها إلا أنها تجلب لنا السعادة بمجرد النظر إليها. كانت تلك الألبومات ساحرة وكأنها قادرة على أن تجعلنا نسافر بالزمن لنستحضر تلك اللحظات كأنها كانت بالأمس القريب. وهنا لسنا بصدد الدعوة إلى العيش في الماضي ومخاصمة العصر الرقمي، لكنها دعوة لإعادة النظر في طريقة تعاملنا مع الصور.
كنّا نتسابق لإحضار أفضل الألبومات لكي توفر لنا العناية بالصور، بل ونتفنن في شراء الألبومات ذات الألوان الزاهية والعدد الأكبر من الصفحات. فبمجرد أن تلمس الصورة تشعر كأنك تعيش تلك اللحظة من جديد بكل تفاصيلها، بل وتستحضر الرائحة التي كانت منتشرة في الأجواء وقت التقاط الصورة. نعم، حتى الذكريات كانت لها رائحة جميلة! لم تستطع الحياة بهمومها وضغوطها أن تنتزع من ذاكرتنا تلك اللحظات التي هي على الرغم من بساطتها إلا أنها منحتنا سعادة حقيقية ظلت أثارها باقية ولم تُمحى. لكن لا ننكر أيضَا أن التكنولوجيا الرقمية قد ساعدتنا في العناية بالصور القديمة من التلف عن طريق صناعة نسخ رقمية للحفاظ عليها للأجيال القادمة.
لكن على ما يبدو فإن هناك تحول مُزعج في وظيفة الصور في حياتنا. انتشرت المنصات الرقمية الجديدة والتي أخذت الصور إلى عصر جديد. اعتقدنا أن تلك المنصات ستساعدنا على صنع ذكريات جديدة جميلة عن طريق الصور فائقة الجودة وتوثيقها وتبادلها مع الأحباب، فإذا بها تتحول عند عدد كبير من الناس إلى مصدر للتباهي واستعراض الشهرة والترويج لنمط حياة استهلاكي لا يناسب مجتمعاتنا. إنها تدفقات لا نهاية لها من الصور! ربما تجد أصحابها لا يتذكرون مناسبة التقاط تلك الصور، بل وليس لديهم تقدير حتى لتلك اللحظات.
لقد أصبحت الصور في حياتنا فاقدة لمعناها ورمزيتها إلى حدٍ كبير جدًا. تجد نفسك يوميا أمام طوفان من الصور للأشخاص في كل الأوقات والأوضاع. صورة قبل النوم وصورة أثناء النوم وصورة أثناء الاستيقاظ... صورة أثناء دخول المطعم وصورة لمائدة الطعام وصورة لتناول الطعام، ثم صورة للانتهاء من الأكل... وهكذا في كل لحظة في حياتنا! لا نستطيع أن ندخل في نيات الناس، أو أن نُفسد عليهم مظاهر البهجة والاستمتاع بالحياة، لكننا لن نبالغ إذا قلنا إن أكثر تلك الصور ليس لها هدف سوى كسر قلوب الناس والتلاعب بمشاعرهم فضلًا عن الدعاية لسلع لا يقدر عليها إلا فئة قليلة. يكفينا أن الصورة حينما تخرج من كاميرا الهاتف تمر بأكثر من مرحلة من التعديلات على الملامح والألوان لتخرج في شكل معين يصلُح للنشر كي يلقى قبولا من الناس. تحول الأمر إلى حالة من الهوس أو شكل من أشكال الاضطراب النفسي وانعدام الثقة وعدم الرضا عن الذات.
لا شك أن الأمر قد سبَّب صدمة كبيرة لأجيال عديدة عندما تحولت الصورة من مجرد أداة توثيقية بسيطة للذكريات واللحظات السعيدة إلى سلعة رقمية هدفها في الغالب الخداع والتضليل. لكن لا تنزعجوا! اذهبوا وافتحوا ألبومات الصور القديمة، واستمتِعوا بها. ستبقى تلك الصور هي المساحة الآمنة في هذا العالم الصاخب. إنها اللقطات الصادقة التي سجلت لنا المشاعر الحقيقية لأحداث مررنا بها في الماضي، وهي محفورة في قلوبنا قبل ذاكرتنا، وهي ليست في حاجة لأزرار الإعجاب أو المشاركة لكي تعيش فقط لبضعة أيام!
التعليقات