بدأ يفكر ويفكر ويفكر، ثم عاد يفكر ويفكر ويفكر، ونظر إلى نظرة متفحصة ثم عاد يفكر ويفكر ويفكر، بعدها أشعل سيجارته وظل يفكر ويفكر ويفكر، أخذ رشفة من فنجان القهوة مؤكدا أنه لا يزال يفكر ويفكر ويفكر، هذا المشهد اقتبسته من مسرحية (نمرة 2 يكسب) قدمه العملاقان عبد المنعم مدبولى ومحمد عوض، الذى كان يشير إلى كاتب لا يجد ما يقوله ليملأ به صفحات الجريدة، ومن الممكن أن تجد فيها معادلا عن حالة الدارما، وهكذا يملأون فراغ الزمن بكلام مملوء بكلام فارغ، القِ نظرة على العديد من المسلسلات ستجد أن المؤلف لا يزال يفكر ويفكر ويفكر!!.
إنه يحكى فى المحكى، طبعا مسلسلات الـ30 حلقة لعبت دورا فى تأكيد هذا المشهد، ولكن علينا ألا نعتبر أن المذنب هو الرقم، لأن هناك مسلسلات 15 حلقة سحبتها أيضا الرمال الناعمة إلى الجحيم.
الذى حدث منذ ثلاثة أعوام وزادت مساحته هذا العام هو انتشار الأعمال الـ15 وزادت النسبة، وصار لدينا بديل متوفر.
أكرر المشكلة ليست فى الرقم، لكن فى إجبار كل الأطراف على تقديم هذا الكم لأسباب تسويقية، وليست أبدا فنية، بعض النجوم يحلو لهم أن يصدروا للرأى العام الرقم على اعتبار أنهم (سوبر ستار) يتحملون الأرقام الأكبر وكأننا فى مباراة حمل الأثقال يفوز فيها من يرفع الرقم الأثقل، وتلك هى المأساة، الناجحون فقط هم الذين يختارون من البداية العمل الدرامى الذى يتميز ببناء محكم وليس لمجرد لأنه ضخم الجثة عريض المنكبين يخرج لسانه للجميع ليؤكد أنه من (أبو 30).
تكتشف مثلا أن أغلب تلك المسلسلات، أقصد الـ30، تعامل المشاهد باعتباره طالبا يعانى من إعاقة ذهنية، وهكذا المعلومة الدرامية يتم تقديمها عشرات المرات على ألسنة الجميع.
لديكم مثلا نموذجان صارخان للدلالة على ذلك، ولا أنكر أن كلا منهما يحقق دائرة لا يمكن إنكارها من الجمهور، الذى يبدو أنه مع الزمن صار يستحسن تلك الأنماط
أيضا التى لا تتطلب منه أى جهد لإعمال العقل، مثل مسلسلى (على كلاى) و(ننسى اللى كان)، دائما المعلومة التى يقولها البطل مرة كل المشاركين فى المسلسل يكررونها من بعده أكثر من مرة، حتى يملأوا بها الزمن، وغالبا ما يعتقد صناع هذه الأعمال أن كثافة المشاهدة تكفى لكى يستمروا على نفس حالة فى العام القادم، طالما أن هناك حالة من المتابعة، على الجانب الآخر هناك مسلسلات استطاعت أن تحقق دائرة جماهيرية بالهدوء الدرامى والتكثيف مثل (اتنين غيرنا) و(سوا سوا)، و(عين سحرية) وحاليا (حكاية نرجس)، الرهان أن المتلقى لايزال يتابع ليس رهانا مضمونا خاصة لو توفر عدد من الاختيارات الأخرى التى تتوفر فيها الشروط الفنية.
تستطيع أن ترى تقدما تقنيا فى تلك المسلسلات التى راهنت على الفن، أتحدث عن التعبير باستخدام أدوات المخرج من إضاءة وحركة كاميرا وموسيقى وغيرها، هناك محاولة واضحة ترفض الاستسلام لاعتقاد خاطئ أن الناس تتابع فقط الحكاية، الحقيقة أن هناك لغة درامية موازية بدأت تبرق فى أكثر من مسلسل، واتسعت دائرة التلاقى مع الجمهور، الفنان الذى يلتقط تلك الإشارات هو فقط الذى سوف يكمل، ولن يحتاج إلى أن يملأ الفراغ بكلمات تؤكد أنه لايزال يفكر ويفكر ويفكر!!.
التعليقات