لم يعد حضور المرأة العربية في الفضاء الرقمي حضوراً ثانوياً أو رمزياً، بل تحوّل إلى مساحة فاعلة تعيد من خلالها صياغة دورها الاجتماعي والمعرفي، وتوسّع نطاق تأثيرها في المجتمع. فبعد أن كانت موضوعاً تتناوله وسائل الإعلام التقليدية، أصبحت اليوم صانعة للمحتوى، وموجِّهة للنقاش العام، وفاعلاً معرفياً يمتلك أدوات إنتاج الرأي والمعلومة.
كما تحوّل الفضاء الرقمي من مجرد شاشة تفاعلية إلى بيئة جديدة تمنح المرأة فرصة تعريف ذاتها خارج القيود التقليدية، وبناء هوية معرفية وتقنية أكثر استقلالاً وجرأة.
ثورة تعليمية… لغة الأرقام تؤكد التحول
تشير المؤشرات الحديثة إلى تحوّل واضح في حضور المرأة العربية في مجالات العلوم والتكنولوجيا. ففي عدد من الدول العربية، تشكّل الإناث أكثر من 60% من خريجي تخصصات STEM، وهو ما يعكس تحولاً نوعياً في اتجاهات التعليم، ورغبة متزايدة لدى النساء في الالتحاق بتخصصات ذات أهمية استراتيجية لمستقبل الاقتصادات وسوق العمل.
وفي دولة الإمارات تحديداً، تمثل النساء 56% من خريجي التخصصات التقنية، و70% من إجمالي خريجي الجامعات، الأمر الذي يجعل حضورهن في مجالات الابتكار وريادة الأعمال التقنية امتداداً طبيعياً لهذا التحول التعليمي.
ولا يقتصر هذا التقدم على التعليم الجامعي فحسب، إذ تسجّل النساء أيضاً 31% من طلبة الدراسات العليا في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يعزز حضورهن في رسم ملامح التقنيات التي باتت تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية.
وهذا التحول لا يقتصر على الأرقام، بل يعكس انتقالاً معرفياً مهماً؛ حيث تنتقل المرأة من موقع المتلقي إلى موقع المنتج والمساهم في أكثر المجالات العلمية دقة وتعقيداً.
عصر الفيديو القصير… منصة جديدة لنشر المعرفة
شهد العالم العربي تغيراً سريعاً في أنماط استهلاك المحتوى الرقمي، حيث يقضي المستخدم العربي حالياً أكثر من 90 دقيقة يومياً في مشاهدة الفيديوهات القصيرة، ما جعل هذه المنصات فضاءً واسعاً لبناء خطاب معرفي جديد.
وقد استثمرت المرأة العربية هذا التحول بفاعلية، فبرزت باحثات ومتخصصات يقدمن محتوى علمياً وثقافياً مبسطاً يجمع بين الجاذبية والدقة، ويصل بسهولة إلى جمهور شاب يصعب التواصل معه عبر الوسائل التقليدية.
ولم يقتصر هذا الحضور على الشرح أو التوعية، وانما امتد إلى مواجهة موجات التضليل المنتشرة في الفضاء الرقمي، حيث تسهم الباحثات وصانعات المحتوى في تفكيك الأخبار المضللة وتصحيح المعلومات، ليصبح حضور المرأة في هذا المجال جزءاً من منظومة الحماية المعرفية للمجتمع.
المرأة الباحثة وصناعة "الذاكرة الناعمة" في أوقات الأزمات
في ظل الاضطرابات والأزمات والحروب التي تشهدها المنطقة، برز دور المرأة العربية بوصفها "باحثة ناشطة" توثق وتكتب وتنقل تفاصيل قد تغيب عن التغطيات الإعلامية التقليدية.
ويأتي هذا الدور ضمن ما يُعرف بمفهوم "الذاكرة الناعمة"، وهي ذاكرة توثق القصص الإنسانية واليومية، وتسجل لحظات الصمود والتجارب الفردية التي قد لا تجد طريقها إلى العناوين الإخبارية.
وبذلك أصبحت منصات النساء العربيات الرقمية مرايا تعكس تفاصيل الحياة اليومية التي تضيع عادة وسط ضجيج الأخبار السياسية، كما تحولت إلى أرشيف للروايات غير الرسمية التي تسهم في تشكيل الذاكرة الاجتماعية والتاريخية للمجتمعات.
تحديات خلف الشاشة… بين الأمان الرقمي والانسحاب الصامت
ورغم هذا الحضور المتنامي، ما تزال المرأة العربية تواجه تحديات حقيقية في الفضاء الرقمي، من أبرزها العنف اللفظي والتحرش الإلكتروني والاستهداف المنظم، وهي ممارسات قد تدفع بعض النساء إلى الانسحاب من النقاش العام فيما يُعرف بظاهرة "حلزونية الصمت".
وللتعامل مع هذه الضغوط، تلجأ بعض النساء إلى استخدام أسماء مستعارة مثل "زهرة المحبة" أو "ريحانة الشام"، في محاولة لتأمين مساحة أكثر أماناً للتعبير عن الرأي والمشاركة في الحوار العام.
ويشير ذلك إلى حاجة الفضاء الرقمي إلى بيئات أكثر أماناً تضمن مشاركة الجميع دون خوف أو تضييق.
مستقبل تصنعه المعرفة… والمرأة في قلبه
لم يعد تمكين المرأة العربية في الفضاء الرقمي قضية تخص النساء وحدهن، فقد أصبح ضرورة تنموية للمجتمعات العربية بأكملها. فاقتصاد المستقبل يقوم على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، وهي مجالات أصبحت المرأة شريكاً أساسياً في تطويرها.
فالمرأة الباحثة والمفكرة وصانعة المحتوى لم تكتفي بنشر المعرفة، فلها اسهامات في إحداث تحول أعمق يعيد تعريف المشاركة المجتمعية، ويفتح المجال أمام أجيال جديدة أكثر وعياً وقدرة على صناعة المستقبل.
أستاذ مشارك جامعة ليوا
التعليقات