لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مساندة أو أداة لتحسين الأداء التشغيلي، بل أصبح اليوم أحد أهم ركائز الحوكمة المؤسسية الحديثة، وعنصراً رئيسياً في دعم الشفافية، وتعزيز الامتثال، وتمكين مجالس الإدارات من اتخاذ قرارات استراتيجية قائمة على البيانات والمعرفة.
من واقع خبرتي الممتدة لأكثر من ثلاثين عاماً في مجال تقنية المعلومات، والعمل الاستشاري مع جهات حكومية وشبه حكومية في دولة الإمارات، أرى أن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والحوكمة يمكن فهمها من مسارين رئيسيين: استخدام الذكاء الاصطناعي في تطبيق الحوكمة، وحوكمة الذكاء الاصناعي نفسه، وهما مساران متكاملان لا يمكن الفصل بينهما.
أولاً: الذكاء الاصطناعي كأداة لتطبيق الحوكمة
تقوم الحوكمة في جوهرها على مجموعة من القواعد والأنظمة التي تهدف إلى تنظيم العمل داخل المؤسسات، وتحديد المسؤوليات، وضمان العدالة والشفافية، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد. وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي كأداة قادرة على تحويل هذه المبادئ من سياسات مكتوبة إلى ممارسات قابلة للقياس والمتابعة.
عند توظيف الذكاء الاصطناعي في الحوكمة، تعتمد المؤسسات على بناء منظومات متكاملة لإدارة البيانات، مثل مستودعات البيانات (Data Warehouse)، التي تجمع معلومات الموارد البشرية، والمالية، والتشغيلية، وسلاسل التوريد في منصة واحدة. ومن خلال تحليل هذه البيانات، يصبح بالإمكان مراقبة الامتثال للسياسات الداخلية، والكشف المبكر عن التجاوزات والمخاطر، وتقليل البيروقراطية التي كانت تعتمد سابقاً على الإجراءات اليدوية والورقية.
كما يتيح الذكاء الاصطناعي لمجالس الإدارات والمساهمين رؤية واضحة وفورية لما يحدث داخل المؤسسة، ما يعزز مبدأ المساءلة، ويدعم اتخاذ القرار المبني على حقائق دقيقة بدلاً من التقديرات الشخصية.
ثانياً: حوكمة الذكاء الاصطناعي… التحدي الأكثر حساسية
في المقابل، تطرح حوكمة الذكاء الاصطناعي تساؤلات جوهرية تتعلق بالسيطرة على الخوارزميات، ومصداقية البيانات، وحماية الخصوصية، والملكية الفكرية. فالذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل أساسي على البيانات، وهي اليوم أحد أهم أصول المؤسسات وأكثرها حساسية.
أي خلل في جودة البيانات أو تحيز في الخوارزميات قد يؤدي إلى قرارات خاطئة، أو نتائج غير عادلة، وهو ما يفرض ضرورة وجود أطر واضحة لتنظيم مصادر البيانات، ومستويات الوصول إليها، وتحديد المسؤوليات القانونية عن مخرجات الأنظمة الذكية.
التكلفة والقيمة… معادلة القرار
من أكثر الأسئلة التي تتكرر لدى القيادات التنفيذية: هل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي مجدٍ اقتصادياً؟ والإجابة لا تكون بنعم أو لا مطلقة، بل تعتمد على إعداد دراسات واضحة لحالات الاستخدام (Use Cases)، تحدد المتطلبات التقنية، والكوادر البشرية، والتكلفة التشغيلية، مقابل العائد المتوقع.
صحيح أن هذه الحلول تتطلب استثمارات في البنية التحتية، والتخزين، والبرمجيات، والكوادر المتخصصة، إلا أن قيمتها الحقيقية لا تُقاس فقط بالعائد المالي المباشر، بل بما تحققه من شفافية، وسيطرة، ورؤية شاملة لأداء المؤسسة، وهي مكاسب استراتيجية يصعب تقديرها بالأرقام وحدها.
التشريعات والعنصر البشري
يبقى نجاح استخدام الذكاء الاصطناعي في الحوكمة مرتبطاً بوجود أطر تشريعية وتنظيمية واضحة، وهو ما توليه دولة الإمارات اهتماماً كبيراً من خلال تطوير القوانين المنظمة للبيانات والتقنيات الحديثة. وفي الوقت ذاته، لا يمكن الاستغناء عن العنصر البشري، بل تتغير أدواره لتصبح أكثر تركيزاً على الإشراف والتحليل واتخاذ القرار.
إن مرحلة الذكاء الاصطناعي تفرض على الجميع، أفراداً ومؤسسات، مسؤولية تطوير المهارات وإعادة التأهيل المهني (Reskilling)، وحسن استخدام هذه التقنيات بشكل أخلاقي ومسؤول، مع احترام الخصوصية والملكية الفكرية.
خاتمة
الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الإنسان، بل شريك استراتيجي يعيد تشكيل مفهوم الحوكمة، وينقلها من إطار تنظيمي تقليدي إلى منظومة ذكية قادرة على التنبؤ، والوقاية، ودعم القرار. والمؤسسات التي تدرك هذه الحقيقة مبكراً، وتستثمر فيها بشكل مدروس، ستكون الأكثر قدرة على الاستدامة والنجاح في المستقبل القريب.
التعليقات