تعيش مصر اليوم مرحلة انتقالية فارقة في تاريخها الحديث، مرحلة لا تُقاس بالسنوات بل بعمق الأثر واتساع الرؤية. قد يختلف الناس حول التفاصيل، لكنهم لا يختلفون على حجم التحولات والمنجزات التي تحققت في فترة زمنية قصيرة نسبيًا، رغم الظروف الصعبة والتحديات الكبرى التي مرت بها البلاد والمنطقة بأسرها خلال العقد الأخير.
ما يحدث اليوم على أرض مصر ليس مجرد تنفيذ مشروعات كبرى، بل عملية إعادة تعريف عميقة للدولة المصرية، إعادة تعريفٍ للذات الوطنية، للمجتمع، للاقتصاد، وللعلاقة بين المواطن والدولة. هذا ليس خطابًا إنشائيًا، بل حقيقة تؤكدها الأرقام وتشهد عليها الوقائع. خلال سنوات قليلة، أنجزت الدولة المصرية بنية تحتية عملاقة؛ آلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة التي ربطت مصر شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، وحولت المدن إلى شبكات متصلة، وأسست قواعد حقيقية لتنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة، لم تكن ممكنة دون بنية تحتية قوية وذكية ومتكاملة.
أما قطاع الطاقة والكهرباء، فيشهد واحدة من أسرع عمليات التطوير عالميًا. منذ سنوات قليلة كانت البلاد تعاني من أزمة طاقة خانقة تهدد الاستقرار والتنمية، واليوم تحولت مصر من دولة تعاني نقص الطاقة إلى دولة تُصدّر الطاقة للخارج وتصبح مركزًا إقليميًا للطاقة في منطقة البحر المتوسط، وهو ما يعد تحولًا استراتيجيًا وتاريخيًا بكل المقاييس.
وفي الزراعة، وهي القطاع الأقرب إلى نبض الحياة المصرية، استطاعت الدولة أن تتبنى رؤى جديدة ومشروعات وطنية عملاقة مثل مشروع المليون ونصف مليون فدان، ومشروعات الصوب الزراعية، والتي لم تكتفِ بتحقيق الأمن الغذائي فقط، بل فتحت مجالات لفرص العمل والتنمية المستدامة، وأعادت رسم خريطة التوزيع السكاني بشكل عصري وأكثر عدالة.
أما على مستوى الصحة والتعليم، فقد بدأت الدولة مشروعًا وطنيًا ضخمًا يستهدف بناء الإنسان المصري بشكلٍ مختلف، حيث أطلقت مبادرات قومية غير مسبوقة مثل مبادرة القضاء على فيروس سي، ومبادرة الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة، ومشروع التأمين الصحي الشامل. هذه المبادرات ليست مجرد خدمات صحية، بل استثمار حقيقي في العنصر البشري، الذي يعد الركيزة الأساسية لأي تنمية حقيقية ومستدامة.
في التعليم، لا يمكن تجاهل الجهد المبذول في تطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، وإدخال التكنولوجيا بشكل متزايد، مع الاعتراف أن الطريق ما زال طويلًا، والتحديات قائمة، لكن المهم أن البداية قد حدثت، وأن الدولة لم تعد تتجاهل المشكلة بل تقتحمها بوضوح.
وربما يكون المشروع الأهم هو إعادة بناء الوعي الوطني وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية، فمصر لا تخوض معركتها فقط ضد الإرهاب والتطرف على المستوى الأمني، بل تخوضها أيضًا على مستوى الوعي والثقافة والفكر. إن إعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية، وتعزيز قيم المواطنة، وإعادة رسم صورة مصر في الداخل والخارج، هي في جوهرها بناء لدولة قوية متماسكة قادرة على مواجهة المستقبل بكل تحدياته.
المنجزات الكبرى لا تعني غياب التحديات أو انتهاء الطريق. هناك تحديات اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة، وما زال أمامنا الكثير لتحقيقه، ولكن ما تحقق بالفعل يعطي رسالة واضحة أن مصر لم تعد دولة تدير أزماتها بالمسكنات، بل دولة تواجه مشكلاتها بكل جرأة، وتعالج قضاياها من الجذور.
وفي هذه المرحلة، فإن دورنا كمفكرين، سياسيين، أو تنمويين، ليس التصفيق للمنجزات فقط، بل تعزيزها بالنقد البناء والرؤى الواقعية، وتعميق الوعي المجتمعي حولها، ودعم المسيرة بالتشجيع والتصويب معًا، لأن النجاح الحقيقي يكون دائمًا نتيجة عمل جماعي وإرادة مجتمعية واضحة، تحمي الإنجاز وتطوره نحو الأفضل.
مصر الجديدة لا تُبنى بالحجر والحديد فقط، بل بأيدي أبنائها الذين أدركوا أن المستقبل يبدأ الآن، وأن الدولة التي تستثمر في إنسانها هي الدولة التي تضمن استمرار قوتها واستقرارها.
نحن ندرك تمامًا حجم التحديات التي يواجهها المواطن المصري البسيط، ونعلم أن طريق البناء لا يخلو من أعباء، وأن وراء كل مشروع عظيم هناك تكلفة تُدفع، وغبار معركة يُستنشَق، وضريبة يتحملها الناس بقلوبهم قبل جيوبهم. لكنها ضريبة وطنية نتشارك فيها جميعًا — دولةً ومجتمعًا، قيادةً وشعبًا، مسؤولين ومواطنين.
وإذا كانت الدولة تبني المدن والطرق والمصانع، فإن عليها أن تبني بالتوازي جسورًا من التفاهم والثقة والاحتواء مع أبنائها، تُدرك مشقاتهم، وتضع همومهم في قلب القرار.
فالمواطن ليس مجرد متلقٍ للمنجزات، بل هو صانعها الحقيقي، ودعامة استمرارها. وإذا أردنا لهذا الوطن أن ينهض بثبات وعدالة، فعلينا أن نُبقي الإنسان البسيط في مقدمة الرؤية، وفي صلب الاهتمام، لأنه هو المقياس الأول لنجاح المشروع الوطني… وهو غدُ مصر الذي لا ينهض إلا بكل يد، وكل قلب، وكل حلم.
التعليقات