التكنولوجيا اليوم لم تعد مجرد أداة ثانوية في حياتنا، بل تحولت إلى العقل المدبر الذي يدير ويتحكم في تفاصيل العالم بأسره؛ بدءاً من التداولات التجارية والاقتصادية اليومية، وصولاً إلى صناعة القرارات الحكومية المصيرية وحتى اندلاع الحروب أو توقفها. ولقد رأينا تجسيداً حياً لهذا الواقع مؤخراً في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال "المستشار الذكي" المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والذي يحلل البيانات والتشريعات العالمية للتنبؤ بتبعات القوانين قبل إصدارها، مما يثبت أن المستقبل أصبح يُبنى على سيادة البيانات لا مجرد الخبرات التقليدية.
ومع هذا التسارع، يتجه العالم اليوم نحو ما يُعرف بـ "التعايش الرقمي المباشر" من خلال دمج الدماغ البشري بالذكاء الاصطناعي (AI) لتوسيع القدرات الإدراكية للبشر. وضمن هذا الإطار، برزت تقنية "واجهات الدماغ الحاسوبية" (BCIs) أو Brain Computer Interfaceما يعرف بالشرائح الذكية المزروعة في الجسم، لتنتقل من شاشات سينما الخيال العلمي إلى أرض الواقع، حيث يتم تطبيقها حالياً على أكثر من 150 شخصاً حول العالم لمساعدة مرضى الشلل على استعادة حريتهم الرقمية والتحكم في الحواسيب عبر أفكارهم.
إن هذه التكنولوجيا هي سلاح ذو حدين، ولا يمكن تصنيفها كأمر "أفضل أو أسوأ" بالمطلق؛ فإذا استُخدمت ضمن بروتوكولات الحماية الطبية والتقنية الصارمة والاحترام الكامل للأخلاقيات المهنية، ستكون فتحاً طبيعياً وإنسانياً عظيماً، أما إذا أسيء استخدامها للتحكم الخبيث في البشر، فقد تقود إلى دمار البشرية. وهنا يجب تصحيح مفهوم شائع: هذه الشرائح لا تقرأ "الأفكار والمشاعر" بالمعنى العام، بل هي مستشعرات تفك تشفير أنماط عصبية محددة وموجهة، مثل نية الحركة أو الكلام.
ويتسع هذا المجال اليوم ليشمل تقنيات متنوعة؛ بدءاً من الأنظمة غير الجراحية مثل المنسوجات الذكية (Smart T-Shirts) لمراقبة الرياضيين، والأنظمة المعتمدة على تخطيط الدماغ (EEG)، وصولاً إلى التقنيات الأكثر تقدماً مثل تقنية شركة (Synchron) التي تدخل عبر الأوعية الدموية لتجنب جراحة الدماغ المفتوح. وبينما تقود شركات عالمية مثل (Neuralink) لتهذيب هذه الاستخدامات، وتتوسع الأبحاث عالمياً عبر دراسات مثل (UAE-PRIME) في الإمارات، ودخلت الصين السباق بقوة كأول دولة تمنح ترخيصاً تجارياً لشريحة دماغية وهي شريحة (NEO) في مارس 2026 للاستخدام المستشفي، في حين لا نزال نترقب ظهور أول منتج عربي ينافس في هذا المضمار.
إن مواجهة هذا الزحف التكنولوجي تتطلب منا كأفراد رفع مستويات الوعي والثقافة؛ فالتكنولوجيا تظل أداة، والاستفادة منها من عدمه تعتمد على طريقة توظيفها. فبينما يمثل زرعها لزيادة القدرات لشخص سليم أمراً كمالياً (Nice to have) قد لا يكون له داعٍ، فإنه يمثل حلاً جوهرياً ومرحباً به لمرضى الشلل أو فقدان النطق طالما تم تحت إشراف متخصصين.
أما نصيحتي للمؤسسات والشركات والمستشفيات التي تعمل في هذا المجال، فهي ضرورة تغليب الالتزامات الأخلاقية والمهنية والدينية على حساب الطمع التجاري والتربح؛ إن امتلاك "البيانات العصبية" للمريض يتجاوز خطورة البيانات الطبية العادية، وسوء استخدامها قد يفتح الباب لجرائم سيبرانية واختراقات تدميرية للمجتمعات. يجب استخدام الذكاء الاصطناعي كعامل مساعد لتصفية ضوضاء الإشارات العصبية وتحليلها بدقة لفك التشفير والتنبؤ بالأزمات الصحية كالنوبات القلبية والصرع، مع ترك الشق الطبي البحت للأطباء، حتى نضمن تحقيق التوازن بين الطفرة العلمية وحصانة النفس البشرية.
م/ أحمد بهجت حسن
الخبير والاستشاري التقني
التعليقات