إلى أي مدى يمكن اعتبار استحواذ شركة أوبر الأمريكية على شركة دليفري هيرو الألمانية أكبر صفقة شهدها قطاع توصيل الطعام حتى الآن؟
الإجابة تبدو واضحة؛ فالصفقة، التي تبلغ قيمتها 14.8 مليار دولار، لا تمثل مجرد استحواذ شركة على منافس، وإنما تعيد رسم خريطة صناعة أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم مكونات الاقتصاد الرقمي الحديث.
وتكتسب الصفقة أهمية أكبر بالنظر إلى انتشار دليفري هيرو عبر عشرات الأسواق في آسيا وأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، بما يمنح أوبر بعد إتمام الاستحواذ حضورًا أوسع بكثير في أسواق توصيل الطعام حول العالم.
لكن قيمة الصفقة لا تكمن فقط في عدد الأسواق أو العلامات التجارية التي ستنتقل إلى مظلة واحدة. فالسؤال الأهم، في تقديري، هو: ماذا تشتري أوبر فعليًا بهذه الصفقة؟
من السهل النظر إلى شركات توصيل الطعام باعتبارها شركات لوجستية تنقل الطعام من المطعم إلى المستهلك. لكن هذا التصور لم يعد كافيًا لفهم اقتصاديات الصناعة.
فالمنصة الرقمية لا تمتلك فقط شبكة من المطاعم ووسائل التوصيل والعملاء، إنما أيضًا كمًا هائلًا من البيانات المتعلقة بسلوك المستهلك: ماذا يطلب، ومتى يطلب، ومن أين يطلب، وما متوسط إنفاقه، وما العروض التي تؤثر في قراره، وما المطاعم والعلامات التجارية التي يفضلها.
وهنا تصبح البيانات أحد أهم أصول منصات التوصيل.
والأهم أن قيمة هذه البيانات تتضاعف عندما يتم دمجها مع خدمات رقمية أخرى.
وهذا يقودنا إلى مفهوم الـSuper App الذي لا يعني فقط وضع مجموعة من الخدمات داخل تطبيق واحد، وإنما بناء منظومة رقمية تتكامل فيها الخدمات والبيانات ووسائل الدفع، بحيث يصبح التطبيق حاضرًا في عدد أكبر من تفاصيل الحياة اليومية للمستخدم.
فقد يبدأ المستخدم بطلب رحلة، ثم يطلب وجبة أو قهوة، ثم يشتري احتياجات المنزل، ثم يستخدم خدمة أخرى من المنظومة نفسها. ومع كل استخدام جديد تتكون صورة أكثر تفصيلًا عن احتياجاته وسلوكه الاستهلاكي.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أهم القيم الاستراتيجية التي يمكن أن تنتج عن عمليات الاستحواذ الكبرى في الاقتصاد الرقمي: ليس فقط امتلاك المزيد من العملاء، وإنما القدرة على فهمهم وربط احتياجاتهم المختلفة داخل منظومة واحدة.
هناك جانب آخر لا يقل أهمية، فعندما تستحوذ منصة كبيرة على منافس قوي في عدد من الأسواق، فإنها لا تحصل فقط على العملاء والعلامات التجارية والبنية التشغيلية، وإنما تتخلص أيضًا من جزء مهم من تكلفة المنافسة التي كانت ستحتاج إلى تحملها للحصول على حصة سوقية أكبر.
وفي أسواق توصيل الطعام، تمثل المنافسة عنصرًا أساسيًا في تشكيل تجربة جميع الأطراف.
فالمنافسة بين المنصات تدفع الشركات إلى الاستثمار في التكنولوجيا وتحسين الخدمة وتقديم العروض والخصومات لجذب العملاء والمحافظة عليهم.
والرابح المباشر من هذه المنافسة ليس المنصة وحدها، وإنما المستهلك والمطاعم ومقدمو الخدمات أيضًا.
لكن عندما تنخفض حدة المنافسة، يتغير ميزان القوى، بل قد تزداد القوة السوقية للمنصة الأكبر، ويصبح لديها مجال أوسع لإعادة النظر في الأسعار والعمولات وشروط التعامل مع الأطراف المختلفة.
وهنا يجب أن ننظر إلى الصفقة باعتبارها نقطة تحول محتملة في اقتصاديات صناعة التوصيل، وليس فقط باعتبارها صفقة مالية ضخمة.
ماذا يعني ذلك للمطاعم؟ وهي أحد أهم أطراف منظومة التوصيل، وربما أكثرها حساسية تجاه تغيرات اقتصاديات المنصات. فهوامش الربح في قطاع المطاعم ليست مفتوحة بلا حدود، وأي زيادة في تكلفة الحصول على الطلبات أو عمولات المنصات يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في اقتصاديات المطعم.
ومن ثم، فإن انخفاض المنافسة بين منصات التوصيل قد يخلق مخاوف مشروعة لدى المطاعم من ارتفاع تكلفة الاعتماد على المنصات، خصوصًا في الأسواق التي تصبح فيها منصة واحدة أكثر قوة من منافسيها.
وفي المقابل، لا ينبغي أن ننظر إلى الصفقة من زاوية واحدة فقط؛ إذ يمكن أن تؤدي زيادة حجم المنصة أيضًا إلى استثمارات أكبر في التكنولوجيا واللوجستيات وتحسين كفاءة التشغيل، وهي فوائد يفترض أن تنعكس إيجابياً على المطاعم والمستهلكين إذا تحققت في إطار سوق تنافسي ومتوازن.
وهنا تكمن القضية الحقيقية: ليس السؤال فقط من يملك المنصة الأكبر، وإنما كيف تُدار القوة التي تمنحها هذه المنصة؟
والسؤال المهم ماذا عن الموظفين؟ فعمليات الاستحواذ الكبرى غالبًا ما تتطلب في مراحل لاحقة إعادة تنظيم للهياكل والعمليات، خصوصًا عندما تعمل شركتان كبيرتان في الأسواق نفسها أو تمتلكان وظائف وأنظمة متشابهة.
التأثير قادم بالطبع لكن من الصعب الجزم الآن بحجم الأثر الذي ستتركه الصفقة على العاملين؛ فهذا يتوقف على استراتيجية التكامل التي ستتبعها أوبر، وعلى طبيعة الأسواق والعمليات التي سيتم دمجها.
ومن الطبيعي أن تكون إعادة الهيكلة والتوفير في غالبية بنود التكاليف أحد الملفات التي تستحق المتابعة خلال السنوات التالية لإتمام أي صفقة بهذا الحجم.
وفي جميع الأحوال يبقى المستهلك هو الطرف الأكثر أهمية في هذه المنظومة. فهو الذي يولد الطلب، وهو الذي يمنح المنصات بياناتها، وهو الذي يحدد في النهاية نجاح أي نموذج تجاري من خلال قراراته اليومية.
اعتاد المستهلك خلال سنوات المنافسة القوية على الخصومات والعروض الترويجية وبرامج التوفير التي تتنافس المنصات في تقديمها لجذب العملاء.
والسؤال الذي يستحق المتابعة هو: ماذا يحدث لهذه المزايا عندما تنخفض حدة المنافسة؟
من المحتمل أن تقل الضغوط التي تدفع المنصات إلى تقديم مستويات مرتفعة من الخصومات، وقد تتغير تكلفة التوصيل أو قيمة العروض بمرور الوقت.
ومن المهم أيضًا عدم افتراض نتيجة واحدة مسبقًا؛ فحجم المنافسة المتبقية، ودخول لاعبين جدد، وسلوك المستهلك، والتطور التكنولوجي، والسياسات التنظيمية، كلها عوامل يمكن أن تحدد الشكل النهائي للسوق.
ولهذا فإن «شهر العسل» بعد أي صفقة كبرى لا يعني بالضرورة أن مستقبل السوق قد حُسم؛ بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة من المنافسة على شكل مختلف.
وماذا عن الأسواق المحلية والمنافسين الأصغر؟ ربما يكون هذا هو السؤال الأهم بالنسبة إلى الأسواق العربية.
من واقع العمل اليومي في هذا القطاع أقول إن صناعة توصيل الطعام لا تتكون فقط من المنصات العالمية الكبرى، وإنما تضم مطاعم محلية، وشركات توصيل، ومنصات ناشئة، وعاملين، ومستهلكين، ومؤسسات مالية وتقنية، وكل طرف منها له مصلحة مباشرة في الحفاظ على سوق قادر على النمو والمنافسة.
وقد تخلق زيادة تركّز السوق تحديات أمام الشركات الأصغر، لكنها في الوقت نفسه قد تخلق فرصًا جديدة أمام المنصات المحلية التي تستطيع تقديم قيمة مختلفة، وفهم خصوصية المستهلك المحلي، وبناء علاقات أكثر مرونة مع المطاعم، والاستثمار في التكنولوجيا والخدمة.
ومن هنا، فإن مستقبل المنافسة لن يتحدد فقط بحجم الشركة أو عدد الأسواق التي تعمل فيها، وإنما بقدرتها على خلق قيمة حقيقية ومستدامة لجميع أطراف المنظومة.
السؤال الأكبر: ماذا يجب أن يحدث بعد الصفقة؟
الاستحواذات الكبرى ليست سيئة في حد ذاتها، كما أن كبر حجم الشركة ربما لا يعني تلقائيًا وجود ممارسة احتكارية. لكن كلما زادت درجة تركّز السوق، زادت أهمية وجود منافسة فعالة وقواعد تنظيمية قادرة على حماية توازن السوق.
وهنا يأتي دور الحكومات والجهات التنظيمية في مراقبة تطورات الأسواق، والتأكد من أن زيادة القوة السوقية لا تتحول إلى ممارسات تضر بالمستهلكين أو المطاعم أو العاملين أو المنافسين.
وفي الوقت نفسه، يقع على عاتق الشركات المنافسة أن تقدم بدائل حقيقية، لا أن تعتمد فقط على الخصومات المؤقتة؛ لأن المنافسة المستدامة تُبنى على التكنولوجيا والكفاءة وجودة الخدمة وفهم السوق.
صفقة أوبر ودليفري هيرو ليست مجرد رقم كبير في عالم الاستحواذات. إنها اختبار لنموذج اقتصادي أصبحت فيه البيانات، والمنصات الرقمية، وشبكات العملاء، واللوجستيات، والقدرة على التكامل بين الخدمات، عناصر مترابطة في صناعة واحدة.
وقد تحمل الصفقة فرصًا كبيرة للاستثمار والتكنولوجيا والكفاءة والابتكار، كما قد تفرض تحديات جديدة تتعلق بالمنافسة والقوة السوقية وتوازن العلاقة بين المنصات والمطاعم والمستهلكين.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من انتصر في الصفقة؟ بل: كيف ستتغير صناعة توصيل الطعام بعد أن أصبح أحد أكبر منافسيها تحت مظلة واحدة؟
هذا السؤال يستحق نقاشًا أوسع، ليس فقط حول دور الحكومات في تنظيم الأسواق ومكافحة الممارسات الاحتكارية، وإنما أيضًا حول الفرص التي يمكن أن تتاح أمام المنافسين الأصغر، وكيف يمكن بناء سوق أكثر توازنًا واستدامة يستفيد منه المستهلك والمطعم والمنصة والعاملون في القطاع معًا.
وفي المقالات المقبلة، سنتناول هذه الملفات بمزيد من التفصيل، ونحاول قراءة مستقبل صناعة توصيل الطعام، ليس من زاوية الصفقة وحدها، وإنما من زاوية التحولات التي يمكن أن تعيد تشكيل هذا القطاع خلال السنوات المقبلة.
هاري آب - الرئيس التنفيذي
التعليقات