إبراهيم سعد الدين عبد الله.. اسم ارتبط في وجدان اليسار المصري والعربي بالفكر والممارسة معاً، مفكر ماركسي وأستاذ جامعي وخبير دولي في الإدارة والتخطيط، جمع بين صرامة العلم وبساطة المناضل، وظل وفياً لانحيازه للفقراء حتى آخر أيامه.
ولد "سعد الدين" في مشتول القاضي مركز الزقازيق في 25 مايو 1925، وتعلم في قريته، والتحق بعد حصوله على التوجيهية بكلية التجارة جامعة القاهرة.

تخرج في كلية التجارة عام 1945، وعمل معيداً في كلية التجارة حتى عام 1950، وكان عضواً نشطاً في لجنة نشر الثقافة الحديثة، وحصل على الدكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة إلينوي بالولايات المتحدة عام 1955.
كان عضوًا بهيئة تدريس جامعة القاهرة بين 1956 و1959، وانتقل ليعمل خبيرًا للتنظيم بوزارة التربية والتعليم، وانتقل خبيرًا بوزارة التخطيط، وفي 1961 أصبح أمينًا عامًا للمعهد القومي للتخطيط.
إبراهيم سعد الدين كان أستاذًا وعضوًا بمجلس إدارة المعهد القومي للإدارة العليا، وانتقل عام 1964 للعمل بالجهاز المركزي للمحاسبات حتى أصبح نائبًا لرئيسه.
بين عامي 1965 و1968 عمل رئيساً للمعهد العالي للدراسات الاشتراكية ومسئولاً عن المعاهد الاشتراكية، وعضوًا بالأمانة العام للاتحاد الاشتراكي، وأسهم في تأسيس مجلة الطليعة.
انتدبته الأمم المتحدة ليعمل مديرًا للمعهد العربي للتخطيط في الكويت بين عامي 1972 و1980، وهو من مؤسسي حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي وعضو الأمانة العامة للحزب.
كان الأمين العام للمجلس الاستشاري للحزب، وترأس لجنة الفكر والثقافة للحزب 2003 -2008، وتولى رئاسة مجلس إدارة مجلة اليسار الجديد التي يصدرها الحزب، وأصبح المدير التنفيذي لمنتدى العالم الثالث إحدى هيئات الأمم المتحدة في مصر.
ومن أبرز الأعمال العلمية للمنتدى: مشروع المستقبلات العربية البديلة في منتصف الثمانينيات، ومشروع مصر 2020، وهما من أهم المشروعات البحثية التي تولاها منتدي العالم الثالث الذي أسسه د. سمير أمين ود. إسماعيل صبري عبد الله في 1980 وتولي رئاسته، بينما شغل د. إبراهيم منصب مديره العام حتي توقف العمل به في منتصف 2007.
إبراهيم سعد الدين مفكر ماركسي ومن رواد الفكر الإشتراكي الماركسي في مصر وأستاذ جامعي وهو عالم وخبير دولي في الإدارة والتخطيط وقبل هذا كله مناضل يساري اشتراكي انحاز مبكراً إلى الفقراء وقدم نموذجاً نادراً للتكامل بين الفكر والممارسة.

كان من أوائل من سعوا إلى الجمع بين علم الإدارة وعلم الاقتصاد بالرغم من أن تخصصه الأصلي هو الإدارة إلا إن سعة علمه بالاقتصاد قد وضعته في صفوف الاقتصاديين المرموقين.
له مساهمات علمية قيمة كثيرة، ومن الكتاب المرموقين في الفكر الاشتراكي، حيث بدأت علاقته بالفكر الاشتراكي من خلال نشاطه في لجنة نشر الثقافة الحديثة في الأربعينيات من القرن الماضي، وكان في نفس الوقت يعمل كمعيد في كلية التجارة التي تجاوزته في منحه بعثة علمية بسبب أفكاره، وعندما علم بالأمر سافر علي نفقته الخاصة وتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحصل على الدكتوراه من جامعة إلينوي سنة 1955.
بعد عودته من الولايات المتحدة تم اعتقاله لمدة 6 اشهر بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي المصري، واُفرج عنه إبان أزمة السويس 1956، وتم توقيفه عن العمل في جامعة القاهرة 1958 بسبب انتمائته الفكرية.
في فترة الوفاق بين اليسار المصري والنظام الناصري 1964-1971 تولي منصب مدير المعهد العالي الدراسات الاشتراكية الذي تعلمت فيه أعداد كبيرة من الكوادر السياسية مبادئ الاشتراكية والفكر الجدلي العلمي والتنظيم الاشتراكي للاقتصاد والمجتمع.
تخرج على يديه أعداد هائلة من كوادر العمل السياسي الوطني في مصر كما كان عضواً فاعلاً في الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي.
ألقت السلطة الناصرية القبض عليه عام 1966 وهو في عمل ميداني للمعهد الاشتراكي واتهموه بعمل تنظيم للقوميين العرب في مصر، وكان اتهاما كاذبا من مجموعة المشير عبد الحكيم عامر في صراعها مع قوى اليسار في السلطة.
وحين علم حسنين هيكل بالقبض عليه اتصل بشمس بدران وزير الحربية وقال له بعنجهيه "أيوه قبضنا عليه وهيتكلم الليلة"، حيث كان متجهاً للسجن الحربي تمهيداً للتعذيب.
اتصل هيكل بالرئيس عبد الناصر الذي أمر بتحويله إلي الداخلية بدلاً من السجن الحربي حيث حقق معه شعراوى جمعة وأطلق سراحه في اليوم التالي مع تحديد إقامته.
عاد إلى عمله بعد مقابلة شخصية مع عبد الناصر والتي قال له فيها "ان الأحزاب تفرق الأمم واذا وصل لعلمي ان احداً يسعى لعمل تنظيم مهمته الوحيدة تأييد عبدالناصر فانا سوف اعتقلهم".
اختلف مع عبد الناصر ولكنه لم يفقد يوماً إيمانه بانحياز عبد الناصر للفقراء وظل جندياً لنشر الاشتراكية والعدالة رغم عدم رضا النظام.
عندما وقع انقلاب القصر الذي قاده السادات في 15 مايو 1971 والقي القبض عليه مع عدد من قيادات الدولة والعمل السياسي في مصر، قدم للمحاكمة ضمن قضية 15 مايو أو ما عرف باسم مراكز القوي امام محكمة سياسية برئاسة حافظ بدوي وحكم عليه بسنة مع إيقاف التنفيذ.
أحيل إلى المعاش في سن 46 سنة، وانتدب للعمل كخبير لهيئة الأمم المتحدة مشرفا على إنشاء أول معهد للتخطيط في الكويت، واستمر هناك 8 سنوات وبعد عودته إلى مصر انتقل للعمل على صعيد العالم الثالث فأدار الفرع الخاص بالشرق الأوسط لمنتدى العالم الثالث الذي أسسه د.إسماعيل صبري عبد الله في 1980 وتولى رئاسته بينما شغل د.إبراهيم منصب مديره العام حتي توقف العمل به في منتصف 2007.
قام بإدارة دراسة المستقبليات العربية بالمنتدى والتنمية العربية في مشروع استشراف المستقبل العربي لدى مركز دراسات الوحدة العربية.
وعاد ليكون أحد أعمدة مشروع "مصر 2020"، وطوال الوقت لم يتوقف عن الإسهام بدراسات متعمقة في شئون التنميةوعن فتح باب تجديد الفكر الاشتراكي علي مصراعيه.
ومن مؤسسي حزب التجمع وواحد من قادته العظام، فضلاً عن مساهماته في أعمال وقرارات الهيئات القيادية للحزب منذ أوائل الثمانينيات، وكانت كتاباته القيمة في"الأهالي" لها قيمتها.
كانت له مساهمات مهمة في أعمال المكتب الاقتصادي للحزب وفيما صدر عنه من تقارير وأوراق وكتب، لا سيما التقرير الذي قدم إلي المؤتمر الاقتصادي في فبراير 1982 وتقرير دعم الفقراء ودعم الأغنياء في 1985 وتقارير الرد على بيانات الحكومة ومشروعات الخطة والموازنة والقوانين والقرارات الاقتصادية المختلفة.
تولي د.إبراهيم رئاسة مجلس إدارة مجلة "اليسار الجديد" وكان آخر المواقع الحزبية التي شغلها موقع الأمين العام للمجلس الاستشاري للحزب الذي يرأسه زعيم الحزب خالد محيي الدين.
كان الدكتور إبراهيم سعد الدين من أوائل المفكرين العرب الذين سعوا إلي فهم الأزمة التي تعرض لها النظام الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا.

بدأ في 1988 يعد الدراسة التي نشرت ضمن سلسلة "كتاب الأهالي" في مارس 1989(العدد 19) بعنوان: أزمة النظام الاشتراكي . كما كان اهتمامه شديداً بالبحث في مستقبل الاشتراكية بعد انهيار الكتلة الاشتراكية. وقد ظهر شيء من هذا الاهتمام في أعداد مختلفة من "اليسار الجديد".
كان رجل عميق التفكير سلس المنطق قوي الحجة، كان علي درجة من التواضع والتبسط في تعامله مع الناس، بحيث أن الجاهل بقدره لا بد وأن يدهش دهشة كبيرة عندما يكتشف أنه علي تواضعه وبساطته عالم كبير ومناضل صلب.
لم تكن له مشكلة شخصية مع أحدولم يسيء إلي أحد ولم يكن يوما يغتاب أحدا وكان متسامحا حتي لمن يسيئ إليه وامتاز بالبساطة فعرفها كل من تعامل معه فقد كان بسيطا في مأكله بسيطا في ملبسه، بسيطا في كل جوانب حياته، كان متقشفا كالرهبان والمتصوفة، ولم تحركه في يوم من الأيام شهوة سلطة أو شهوة مال كان بعيدا عن زخرف الحياة ورونقها.
أهم المؤلفات والكتب:
-أزمة الأرصدة الإسترلينية ( 1950).
-عناصر التسويق(1958).
-السياسات الإدارية والتغيرالاجتماعي (1970).
-حركة القوي العاملة العربية (1982).
-شارك في تأليف كتاب التنمية العربية في إطار مشروع استشراف المستقبل العربي (1989).
-أزمة النظام الاشتراكي (1989).
-مساهمات مصرية حول أزمة النظام الاشتراكي وتطور النظام الرأسمالي.
اشتراكية المستقبل (2007)
للدكتور إبراهيم أوراق ومقالات قدمت في مؤتمرات وندوات ومجلات علمية متعددة خاصة في موضوعات إدارة القطاع العام والتنمية الاقتصادية العربية وحركة العمالة بين الدول العربية.
كانت له مساهمات مهمة في أعمال المكتب الاقتصادي لحزب التجمع وفيما صدر عنه من تقارير وأوراق وكتب لا سيما التقرير الذي قدم إلي المؤتمر الاقتصادي في فبراير 1982، وتقرير دعم الفقراء ودعم الأغنياء في 1985، وتم تكريمه من الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية.
كرمته الجمعية العربية لبحوث الاقتصاد وهي تناقش الأزمة المالية العالمية نوفمبر 2008 وجرى خلال المؤتمر تكريم شخصيتين اقتصاديتين عربيتين هما الدكتور سليم الحص رئيس وزراء لبنان الأسبق والمفكر والباحث الاقتصادي المصري إبراهيم سعد الدين عبد الله، وانتقل إلى رحمة الله في 18 سبتمبر 2008.
التعليقات