هو ذلك الصوت الداخلي أو الإحساس الباطني الذي يوجّه الإنسان للتمييز بين ما يراه صوابًا وما يراه خطأ، هو ما يجعل الإنسان يشعر بالرضا والطمأنينة عند فعل الخير، أو باللوم والقلق عند ارتكاب الخطأ. هو ليس قانونًا مكتوبًا ولا أمرًا خارجيًا مفروضًا، بل منظومة داخلية تحكم السلوك وتؤثر في القرارات حتى في غياب الرقابة أو العقاب.
يتكوّن تدريجيًا منذ الطفولة ولا يولد الإنسان وهو يملكه. ففي البداية يتشكل من خلال التربية الأسرية، حين يتعلم الطفل مفاهيم الصواب والخطأ عبر التوجيه والثواب والعقاب، ثم يتوسع تأثير المدرسة والمجتمع والدين والثقافة العامة. ومع الوقت، تتحول هذه المعايير الخارجية إلى قناعات داخلية، فيبدأ الإنسان بمحاسبة نفسه بنفسه بدل انتظار حكم الآخرين.
ويلعب العقل دورًا مهمًا في تشكيله، إذ يقوم بتفسير القيم وتطبيقها على المواقف المختلفة، لذلك قد يختلف من شخص لآخر حسب وعيه وتجربته ونضجه الفكري.
وهو ليس شيئًا ثابتًا، بل يمكن أن يقوى أو يضعف، وقد يسمو مع التربية الواعية والتجارب الصادقة، أو يتشوّه تحت تأثير التبرير المستمر، والبيئة الفاسدة، وتكرار السلوك الخاطئ دون محاسبة داخلية.
إنه ليس مجرد “صوت” ولا مجموعة قيم جاهزة، بل هو علاقة الإنسان بنفسه. هو اللحظة التي لا يستطيع فيها الإنسان أن يهرب من ذاته. فعندما تكون وحدك تمامًا، بلا شهود ولا قوانين ولا خوف من عقاب، ثم تتردد قبل أن تفعل شيئًا لأنك ستحتقر نفسك بعده… إنه هو ذلك التردد.
يتكوّن عندما يكتشف الإنسان لأول مرة أنه كائن مسؤول، وأن أفعاله ليست محايدة. فهو لا يوجد في تلك المرحلة التي لا يشعر فيها الطفل الصغير بالذنب لأنه آذى غيره، بل لأنه سيُعاقَب. وإنما يبدأ عندما يتحول السؤال من: «ماذا سيحدث لي؟» إلى «ماذا فعلت أنا؟». أي عندما يصبح الفعل مرتبطًا بصورة الإنسان عن نفسه.
ومع الزمن، وتراكم التجارب. يجرّب الإنسان الكذب، يجرّب الظلم، يجرّب الأنانية، أو يجرّب الصدق، يجرّب العدل، يجرّب الرحمة، ويلاحظ أثر ذلك داخله قبل أن يلاحظه خارجه. فبعض الأفعال تترك داخله ضيقًا لا يزول، حتى لو نجح في الإفلات من العواقب. وأفعال أخرى تمنحه سلامًا داخليًا، حتى لو خسر بسببها شيئًا خارجيًا. هو من هذا التراكم يتشكّل.
لذا فهو لا يكون واحدًا عند الجميع، لأنه ابن التجربة والوعي. فقد يتبلد مع شخص تعوّد تبرير أفعاله، لا لأنه بلا قيم، بل لأنه علّم نفسه ألا يرى. وقد يكون مع شخص آخر حيًا ومؤلمًا لأنه لم يتصالح مع خيانة ذاته.
هو لا يتكوّن لأن المجتمع قال “هذا خطأ”، بل لأن الإنسان لا يستطيع أن يحترم نفسه إذا فعله. فإذا غاب هذا الشعور، غاب هو، حتى لو بقيت القوانين والأخلاق مكتوبة.
إنه ليس كيانًا مستقلًا أصلًا. بل هو نتيجة جانبية لشيء واحد فقط: وعي الإنسان بذاته عبر الزمن.
فلا يملكه الحيوان لأنه يعيش في اللحظة. أما الإنسان يستطيع امتلاكه لأنه يملك ذاكرة وهوية واستمرارية. أنت لا تفعل الفعل ثم ينتهي الأمر؛ أنت تتذكر أنك فعلته، وتعرف أن الفاعل هو “أنت”، وأن هذا “الأنت” سيبقى معك غدًا وبعد سنة. وهنا تظهر المشكلة.
يتكوّن عندما يصبح الإنسان قادرًا على أن يرى نفسه كموضوع للحكم، لا كفاعل فقط. أي عندما ينقسم داخليًا إلى: من يفعل، ومن يراقب الفعل. وهذا الانقسام ليس أخلاقيًا بعد، بل معرفي. بعد ذلك تدخل القيم. المجتمع، الدين، الثقافة لتملأ هذا الفراغ بمحتوى يعطي المراقِب معايير ليحكم بها. لكن وجود المراقِب نفسه سابق على كل ذلك.
ولهذا السبب يمكن لإنسان أن يعرف أن فعلًا ما “خطأ” أخلاقيًا ولا يشعر بأي ذنب. فالمعيار موجود، لكن المراقِب معطّل أو تم إسكاتُه. ويمكن لإنسان آخر أن يشعر بالذنب حتى على شيء لا يحرّمه القانون ولا يرفضه المجتمع، فقط لأن المراقِب لديه نشط جدًا.
إنه الألم الناتج عن عدم الاتساق الداخلي.
فإن لم يخلق الإنسان صورةً عن نفسه، ولم يهتم بالاتساق معها، أو اعتاد كسرها دون اكتراث، فإنه يختفي تمامًا، دون أن يكون ذلك الإنسان “شريرًا” بالضرورة.
هو ليس حقيقة واحدة، بل هو تسمية فضفاضة لظواهر مختلفة نحاول جمعها تحت كلمة واحدة.
هو شعور الإنسان بأنه لا يريد أن يفعل كل ما يقدر عليه. ليس لأن هناك قانونًا، ولا خوفًا، ولا فلسفة، ولا صورة ذات، ولا تناقض داخلي. بل لأن هناك حدًا داخليًا يقول: «أستطيع… لكن لا أريد أن أكون هذا الشخص».
أخيرًا وببساطة، فإنه يتكوّن عندما يختبر الإنسان لأول مرة أن أفعاله تترك أثرًا حقيقيًا في غيره، وأن هذا الأثر يرتد عليه هو شعوريًا. ليس فكرة، بل إحساس مباشر. فالطفل الذي يرى الألم في عين غيره فيتوقف، لم يحلّل ولم يُربط قيمًا؛ وإنما شيء ما انكسر داخله ومنذ تلك اللحظة صار هناك حد.
هذا الحد قد يكبر، قد يضيق، وقد يختفي. لكنه إن وُجد، فهو ذا.
إنه القدرة على التوقّف.
إنه الضمير
التعليقات