عمركم الآن تعدى نصف قرن بسنوات قليلة، وفى طريقكم إلى بلوغ المعاش، لكن الحياة عندكم تبدأ مرة أخرى بعد الستين، صحيح أنكم جاوزتم سن الشباب لكنكم بالتأكيد لستم فى مرحلة الكهولة، أنتم فى منتصف العمر بين جيلين، الجيل القديم جيل آبائكم وأجدادكم، والجيل الحديث جيل أولادكم وأحفادكم، وتركيبة تربيتكم مبنية على الاحتواء والتفهم. مولدكم السبعينى كان فى ظروف معيشية رائعة يسمونها أيام الطفرة، وطفولتكم كانت هادئة ووديعة وممتعة، حتى ألعابكم «إفتح يا سمسم وفتحى يا وردة والشايب وبصرة والحجلة والدوامة» وغيرها من الألعاب البسيطة صنعتموها بأياديكم دون تكنولوجيا، هذا غير هواياتكم المفضلة فى صيد العصافير بالفخاخ الصغيرة وجمع الطوابع البريدية النادرة وملء شرائط الكاست بكوكتيل أغان قديمة وجديدة، ونقل أكبر كمٍ من الأفلام الأبيض والأسود على فيديو واقتناء روايات عبير الشهيرة، مثل «نجمة الجراح والعذاب إذا ابتسم وغرام الأرملة»، والفرجة على المسرحيات كانت قاعدة أساسية مساء كل خميس، تبدأ بفقرات اليوم المفتوح وتنتهى بمسرحية السهرة والتى غالبًا ما تكون «شاهد ما شفش حاجة» أو «ريا وسكينة» أو «إنها حقًا عائلة محترمة». وبالمثل لم تفوتوا حلقة واحدة من ليالى الحلمية، والمال والبنون، وأرابيسك، والشهد والدموع، وأبنائى الأعزاء شكرًا، ولا حتى المسلسلات الأجنبية مثل «فالكون كريست» و«الجرىء والجميلة».
كنتم جيل مشاهدة التلفزيون، أما السابقون فكانوا جيل سماع الراديو، الآن مع الأسف لا وجود لسماع الراديو أو مشاهدة التلفزيون لأن كل شىء متوفر على الآى فون والآى باد دون الحاجة لضبط الساعة على معاد مسلسل أو برنامج معين. ولأن مواليد السبعينيات كانوا كثيرى الفرجة والمتابعة فقد شاركوا فى بدايات صعود نجومية الهضبة عمرو دياب ومحمد فؤاد وأنغام، وكانت أغنية لولاكى لعلى حميدة هى ترند الموسم. أما المصايف على أيامكم فكانت لا تخرج عن نطاق العجمى والمنتزه والمعمورة ولا وجود لما يسمى الساحل الشرير لأن كل شىء كان طيبًا وبسيطًا، البلاج كان للاستحمام وليس للاستعراض، الأكل كان بيتى وليس ديليفرى، الحفلات كانت للسمر وليست للسكر.
أنتم جيل تعلمتم الدين الصحيح وثبتم على مبدأ الأخلاق الكريمة، ليس من السهل استفزازكم ولا إخراجكم عن شعوركم لأنكم تعرفون الأصول ولديكم ثوابت لا أحد يتعداها، وفى الأزمات الخارجية عاصرتم حروبًا طاحنة كحرب العراق وإيران والخليج والحرب فى أفغانستان، وفى قرارة نفوسكم تدركون جيدًا ثمن الحرية وقيمة إحلال السلام. أنتم جيل يحترم الكبير ويتعامل مع الصغير بلطف ولديكم تقبل للآخر ومساحة للاختلاف وإلمام بكافة التفاصيل.
أنتم جيل لم ينهر نفسيًا من عصا المعلم ولم يتأزم عاطفيًا من ظروفه العائلية ولم يطالب أهله بأن يوفروا له الكماليات، كان ومازال عندكم صبر واحتمال على المصاعب دون تأفف، كما التزامكم بالمسؤوليات دون تذمر، أنتم جيل لم يدخل مدارسه بهواتفه النقالة ولم يشك من كثرة المقررات الدراسية ولم يعترض على حجم الحقائب ولم يصادر الواجبات المنزلية.
أنتم جيل نجح بلا دروس خصوصية وبلا مجموعات تقوية وبلا وعود وحوافز من الأهل للتفوق، كان النجاح رغبة أصيلة فى داخلكم، والإنجاز صفة رئيسية فى تكوينكم، جيل اجتهد دون عوامل مساعدة فى حل الألغاز وفك الشفرات ومعرفة اسم صاحب الصورة المجهولة، جيل اعتمد على الذكاء البشرى وليس الذكاء الاصطناعى، جيل مازال يشعر كما يتنفس ويتعاطف ويحتوى ويخطئ ويعترف بخطئه دون مزايدة.
جيل الأمن والأمان الذى كان يلاحق بعضه البعض فى الطرقات القديمة دون أن يخشى من اللصوص وقطاع الطرق، جيل يُحيى رجال الشرطة بهيبة وضباط المرور بتقدير وعمال النظافة بتواضع. أنتم جيل كان ينام بمجرد أن تنطفئ المصابيح بالغرفة ويصحو على صوت آذان الفجر وجرس الكنيسة، أنتم جيل مازال محتفظًا بالمثل العُليا والآداب العامة والعادات الصميمة والتقاليد الأصيلة.
ولا أنكر أنكم أحيانًا تشعرون بغربة من المحيط فلا المُثل عليا ولا العادات صميمة ولا التقاليد أصيلة، الكل تغير ٣٦٠ درجة والرهان هنا فى الثبات على المبدأ رغم التجاوزات الحاصلة فى كل اتجاه.
التعليقات