لم تنتهِ بعدُ توابع زلزال كلمة «يا صيّع» التى قالها الممثل محمد ثروت على سبيل المداعبة مع طلبة جامعة بنى سويف، فى الندوة التى أقاموها له. إنها واحدة من لزمات ثروت، توافق عليها أو تعترض هذا حقك، ولكن فقط لا تمنحها أكثر من حجمها.
الخروج عن النمط الشائع يحمل فى داخله محاولة للوصول إلى أكبر قطاع من الجمهور عن طريق استخدام سلاح الدهشة. شاهدت قبلها المطرب محمد الحلو فى دار الأوبرا وهو يداعب مطرباً جديداً قدمه على المسرح قائلاً: «هذه المرة الأولى التى يغنى فيها على الأوبرا وهتبقى الأخيرة».
أمسكت أكثر من مرة السوبرانو الرائعة فاطمة سعيد بالعصا، ورقصت على أنغام أغنية «مصر هى أمى» فى دار الأوبرا ومتحف الحضارة وغيرهما، لاقت أكبر تعاطف مع الجمهور، رغم أنها ضربت فى مقتل كل قواعد الغناء الأوبرالى الرصين.
لو راجعت بعض خطابات كل من الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر ومحمد حسنى مبارك، ستلمح أيضاً الكثير من القفشات التى كان يطلقها ناصر ومبارك.
هل تتذكرون الفاصل الممتع الذى داعب به المطرب الكبير محمد العزبى المايسترو الكبير سليم سحاب، أيضاً على دار الأوبرا قبل نحو ربما 15 عاماً، استغل العزبى اسم «سحاب» وأمطره بقنابل من «القلش» اللذيذ، مثل أن المايسترو أنجب بنتاً أطلق عليها «شبورة»، وأنه يسكن فى شارع «الضباب» والكل ينتظر متى «يمطر»، تلك المساحات أراها تدخل تحت قائمة باب المرونة، تختلف بالطبع درجات استيعابنا لها، وهذا طبيعى، ولكن غير الطبيعى أن نشهر فى وجهها سلاح المصادرة.
فى الثقافة الشعبية كثيراً ما تُستخدم كلمات الاستهجان بديلاً عن كلمات الاستحسان، أنا شخصياً لا أفضلها حتى على سبيل المزاح، ولكنى أتفهم دوافعها.
المرونة مع الآخر وتفهم ظلال الكلمات واحدة من أهم الصفات التى يجب أن نتمسك بها. أتذكر أن الفنان الكبير وديع الصافى لبّى مشكوراً دعوتى للغناء فى نقابة الصحفيين، واصطحب معه عدداً قليلاً من العازفين، وقبل الغناء انفلتت منه كلمة وجهها لأحد العازفين تتردد عادى جداً فى الشارع اللبنانى، لاحظ وديع شيئاً من الاستغراب على الوجوه، وبذكاء تفهم الموقف قائلاً: «الكلمة دى تساوى عندكم بالمصرى: صباح الخير» وضحكنا جميعاً.
ولا أتذكر وقتها أن أحداً من الزملاء قد عقّب على صفحات الجريدة مثلاً مستهجناً ما حدث، لم نكن مطلع التسعينيات قد عرفنا «السوشيال ميديا» بعدُ، تعاملنا ببساطة مع وديع وغنينا معه فى تلك الأمسية: «عظيمة يا مصر يا أرض النعم».
أعلم أن هناك من ينزعجون لمجرد إقامة ندوة فى جامعة لفنان، فما بالكم لو كان كوميدياً، أتذكر قبل 17 عاماً قررت إقامة ندوة فى كلية الإعلام جامعة القاهرة لصناع فيلم «واحد صفر»، كنت أدرّس لطلبة السنتين الثالثة والرابعة فى قسم صحافة مادة النقد الفنى، ووجدت أن لقاء مع صناع الفيلم سيزيد من شغفهم، المفروض فى مثل هذه الحالات إبلاغ الأمن بالزائرين، وكانوا أربعة: المخرجة كاملة أبوذكرى والكاتبة مريم ناعوم ومديرة التصوير نانسى عبدالفتاح وبطلة الفيلم نيللى كريم، فقط طلبوا منى أن أطلب من نيللى أن يتوافق رداؤها مع قواعد الجامعة، ولم أطلب من نيللى شيئاً، كنت أعلم أنها تدرك بالطبع ما ترتديه.
أتمنى ألا يستغل أحدهم كلمة عابرة لمحمد ثروت ويمنع بعدها استضافة الفنانين بحجة الحفاظ على الوقار الجامعى!.
التعليقات